يسعى علماء الذكاء الاصطناعي منذ عقود إلى بناء كمبيوتر يحاكي قدرات الدماغ البشري، ولقد قطعوا أشواطاً كبيرة في هذا المجال عن طريق بناء ما يعرف بالكمبيوترات السوبر القادرة على القيام بتريليونات العمليات الحسابية بلمح البصر.

لكن بناء تلك الأنظمة معقد جداً وتكلفتها مهولة. والآن برز اتجاه جديد في هذا المجال يفيد بأن التوصل إلى تطوير كمبيوترات سوبر تمتلك مرونة العقل البشري يعني أنه يجب بناؤها من مكونات صغيرة جاهزة مثل المعالج الموجود في الهواتف المتحركة الذكية.

وهذا بالضبط ما يقوم به عالم الكمبيوتر الشهير ستيف فروبر، الذي صمم دماغاً صناعياً مؤلفاً من مليار «خلية عصبية»، يتم تجميعه حالياً في مصنع للرقائق الحاسوبية في تايون بواسطة معالجات صغيرة من النوع الذي يستخدم في الهواتف المتحركة الذكية.

ولطالما أراد مهندسو الكمبيوتر منذ زمن بعيد تقليد قدرات الأدمغة البيولوجية، لكن أفضل النسخ الآلية التي تم تطويرها حتى الآن لم تكن عملية على الإطلاق لأنها تتطلب استخدام كمبيوترات سوبر عملاقة.

ويقول فوبر، عالم الكمبيوتر في جامعة مانشستر البريطانية: «إذا أردنا استخدام الكمبيوترات بمرونة تعادل حتى جزء من ألف من مرونة عمل الدماغ البشري، نحتاج إلى الانطلاق من مكوّنات عملية معقولة التكلفة ولا تستهلك طاقة كبيرة».

ويضيف: «نستخدم حالياً معالجات عادية ذات أداء متواضع من النوع المتوفر في السوق».

لكن فوربر لن يحاول تقليد سمات ووظائف الخلايا الدماغية البشرية، كما يقول هنري ماركرام، رئيس برنامج «الدماغ الأزرق»، الذي حاولت فيه شركة آي بي إم محاكاة عمل الدماغ البشري بدقة لا تضاهى اعتماداً على استخدام الكمبيوتر السوبر «بلو جين» في المعهد السويسري للتكنولوجيا، بمدينة لوزان. ويضيف ماركرام: «إنها غاية تستحق العناء المبذول من أجلها، لكن يجب الا ننسى أن الرقائق المستلهمة من الدماغ من حيث التصميم فقط، لا تعطي وظائف شبيهة لكن غير مكافئة لوظائف الدماغ».

وهذا يكفي بالنسبة لفوربر، الذي يريد أن يبدأ في تعليم كمبيوتره الشبيه بالدماغ عن العالم من حوله بأسرع ما يمكن. وهدفه الأول هو أن يدرب الكمبيوتر على التحكم بذراع روبوتية، ومن ثم العمل لوضع تصميم متكامل للتحكم برجل آلي.

ويقول فوربر إن نظام التحكم الروبوتي، إذا توفرت له بعض السمات الشبيهة بالوظائف الدماغية، سيكون أكثر كفاءة في أداء مهام مثل التعرف على الصور والملاحة وصنع القرارات.

ويضيف أن الروبوتات توفر بيئة حسية طبيعية لاختبار الكمبيوترات الشبيهة بالأدمغة، لأن بوسعك معرفة ما إذا كانت مفيدة في الاستخدامات العملية».

ويستخدم كمبيوتر فوربر الجديد الذي يسمى «سبيناكر» نماذج مستنسخة من معالج طور عام 1987 من قبل فوربر نفسه وزملاؤه في شركة أكورن كمبيوترز في كامبريدج.

ومع ان المعالج كان قد صنع أصلاً لمشروع كمبيوتر أجهض لاحقاً، فإن تصميمه الأساسي بقي وأصبح التصميم المعتمد الأكثر شيوعاً في المعالجات المستخدمة في أجهزة مثل أجهزة قراءة الكتب الإلكترونية والهواتف المتحركة الذكية.

لكن تأهيل أي كمبيوتر للعمل مثل دماغ بشري مهمة صعبة. فالخلايا العصبية الدماغية والدوائر الكهربائية الحاسوبية كلاهما يتصل بواسطة الإشارات الكهربائية، لكن في البيئة البيولوجية، «الأسلاك» التي تنقل تلك الإشارات ليس لها أدوار ثابتة كما هي الحال في الإلكترونيات.

ذلك أن أهمية أي وصلة عصبية، أو نقطة تشابك عصبي، محددة، تتفاوت بينما بتعلم الشبكة عن طريق موازنة تأثير الإِشارات المختلفة التي يتم استقبالها. ولذلك، يجب أن تكون هذه العملية ديناميكية في الدماغ السيليكوني أيضاً.

ويحتوي كل من الرقائق التي يتم بناؤها في تايوان على 20 قلب معالج، كل منها يمثل 1000 خلية عصبية، أي 20 ألف خلية عصبية كل رقاقة. وهذا يعني ان العلماء سيحتاجون إلى 50 ألف رقاقة للوصول إلى هدف محاكاة دماغ بمليار خلية عصبية.

وتقوم رقاقة ذاكرة خاصة مثبتة بجانب كل معالج بتخزين البيانات الواردة عن نقاط التشابك العصبي كأرقام بسيطة تمثل أهمية كل وصلة في كل لحظة. كما يقلد تصميم الرقاقة عمل الدماغ في عدة سمات مهمة أخرى بما في ذلك إمكانية تفعيل مجموعات كبيرة من الخلايا على التوازي من قاعدة الهرم إلى الأعلى، بعكس الطريقة التي تعمل بها المعالجات الحاسوبية التقليدية.

وبينما ينتظر فريق مانشستر وصول الرقائق الجديدة من تايوان، قام الخبراء ببناء نسخة مصغرة مؤلفة من 50 خلية عصبية وقاموا بتشغيل النموذج الأولي في المختبر. وقد أوجدوا بيئة افتراضية تقوم فيها الأدمغة السيليكونية بالتحكم ببرنامج يتعلم كيف يصطاد كعكة «دونات» افتراضية.

إعداد: علي محمد