رغم اختلاف تفاصيل شكله وخلقه عن الآخرين إلا أن الله قد حباه بقسط وافر من الجمال، فقد ولد مصابا بمتلازمة داون، في وجهه تقرأ تعاليم البراءة والسماحة رغم أن عمره قد وصل إلى السابعة عشرة، ما أن رآنا حتى أقبل علينا مبتسماً ومسلماً ليجلس معنا بهدوء، تحدث إلينا بكل بساطه وبشفافية تامة عن أحلامه، فهو يحب العمل كثيرا ويجتهد ليتعلم، لقد حاول طارق منير والمصاب بمتلازمة داون أن يقرأ على أسماعنا مرات عديدة ما يحفظه من الأحرف الهجائية، وفي كل مرة كان يربطها بشيء ملموس.

كما حاول أن يستعرض أمامنا بعض ما يعرفه من العمليات الحسابية البسيطة، في كل مرة يقرأ أو يحسب فيها كان يحاول أن يظهر لنا مدى ذكائه ومعرفته، وقد أثبت لنا ذلك، أثبت أن الإعاقة لم تقف حجر عثرة في طريقه، وأنه قادر على تخطيها ومواصلة حياته.

في غرفة الصف، كان طارق متعاونا مع أقرانه يساعدهم في كل شيء، فما كاد وقت الإفطار أن يحل حتى سارع مع زملائه إلى تحضير الطاولة التي اجتمعوا عليها جميعا لتناول إفطارهم الذي أخذوه بصمت، وحرص على ترك المكان نظيفا كما كان، ولا أخفي أن تصرفاتهم تلك قد أعجبتني كثيرا، فقد دلت على مدى تعاونهم وتفهمهم لواقعهم الذي قبلوا التعايش معه وفق أية ظروف.

صفات مشتركة

يشترك مصابو متلازمة داون أو «داون سنتدروم» بصفات أو مظاهر فسيولوجية كثيرة مثل تشابه شكل العيون، والشعر الناعم، وارتخاء العضلات، واستدارة الوجه، وكبر حجم اللسان مع صغر الفم، وصغر حجم الجمجمة وغيرها، ولأن «لله في خلقه شؤون» فقد اختار أن يكون طارق أحد المصابين بها.

حيث يشترك معهم في بعض الأوصاف. أثناء وجودنا مع طارق وأقرانه في الصف الرابع بمركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة، سألنا معلم التربية الخاصة محمد سلطان عن طبيعة حالة طارق، حيث قال: عند انضمام الطفل إلينا نتبع أساليب عدة لتقييم الطفل وإعاقته، من حيث قدرته على التعامل مع اللغة الاستقبالية مثل الكتابة والقراءة وبعض الحسابات الرياضية، ومدى تميزه للأشياء المختلفة مثل التفريق بين الإنسان والحيوان، تفريقه بين المرأة والرجل.

وكذلك بين الأطفال، وعلى ضوء ذلك تتم وضع البرامج التعليمية المختلفة لهم، وبالنسبة لطارق فهو يشبه بقية المصابين بمتلازمة داون والذين يكون لديهم تأخر في النمو العقلي، في حين تكون قدراتهم الجسمانية أفضل بكثير، وهنا يتم تأهيل المصاب بصورة عملية بحيث تتناسب مع قدراته الجسمانية.

ومنذ أن انضم طارق إلى مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة تمكن من اكتساب مهارات عدة أبرزها العزف على البيانو الذي اكتسبه أساسا من والدته، وكذلك تعلم دق الطبل على يد أحد معلمي المركز وهو دائم العزف لأهل بيته، كما تمكن من تعلم أساسيات القراءة والكتابة والرياضيات، واستخدام الكمبيوتر.

حكايات طارق

خلال جلوسه معنا حاول طارق بكلمات بسيطة أن يحدثنا عن النشاطات التي يقوم بها يوميا في بيته، وكذلك حاول أن يحكي لنا عن زيارته لمركز برجمان وتجربته لركوب المترو وكيف حصل هناك على تذكرة الدخول وخطوات تعبئتها، كما حدثنا عن زيارته لمقر عمل والده في فندق سندريلا، وحكايات أخرى كثيرة، في أثناء ذلك اتضح لنا بأنه يطمح في المستقبل إلى أن يعمل كوالده في فندق.

وقال إنه يحب العمل كثيرا ويحاول دائما أن يساعد والده في العمل كلما زاره في الفندق، ولكن وبحسب خطة مركز راشد الذي يدرس فيه طارق، فمن المقرر أن يتم خلال العام المقبل نقل طارق إلى العمل الميداني بعد تأهيله بالكامل، وذلك حتى يتعود على سوق العمل ويتعرف على طبيعة المهن المختلفة.

قد يكون أحيانا الوصول إلى القدرات العقلية للمصابين بمتلازمة داون أمر صعب ويحتاج إلى الصبر خاصة وإنهم متقلبو المزاج، والأمر ذاته ينطبق على حالة طارق ولذلك يستخدم أخصائيو المركز معه أسلوب التعزيز الايجابي والمعنوي ليتمكنوا من الوصول إلى قدراته العقلية.

ورغم ذلك فقد أثبت طارق جدارته في العديد من البرامج التي أدخل إليها مثل برنامج الزراعة والذي يلقنه أساسيات الزراعة وأنواع النباتات وكيفية العناية بها، إلى جانب أنه يتم اصطحابه إلى مراكز التسوق المختلفة وبعض محلات السوبرماركت الضخمة بغية تعليمه طرق التسوق وكيفية اختيار الأشياء وتميزها، وكيف يتعامل مع النقود وطرق الدفع للمحاسب، بالإضافة إلى كيفية المحافظة على مشترياته وجر عربة التسوق في مركز التسوق، وذلك بهدف تعليمه تحمل مسؤولية نفسه، تمهيدا لدمجه في المجتمع.

متلازمة داون

كلمة متلازمة داون تعني مجموعة من الصفات والمظاهر الخلقية والاكلينيكة يشترك فيها مجموعة من المواليد أو الناس، وتصاحبهم هذه الصفات مدى الحياة، وليست بالضرورة أن تكون كل هذه الصفات مجتمعه عند كل هؤلاء الأشخاص، فقد يملك بعضهم جزءا منها، ومتلازمة داون تحدث في كل الشعوب والأعراق بغض النظر عن البلدان التي ينتمون إليها، وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى الطبيب البريطاني لانجدون داون الذي اكتشف هذه المتلازمة.

ومتلازمة داون هي خلل خلقي في عدد الكروموزومات حيث يبلغ عددها عند 47 كروموزوما بدلا من 46 كروموزوما وهي الموجودة عند عامة الناس، ويتميز المواليد بصفات أو مظاهر فسيولوجية كثيرة مثل تشابه شكل العيون، والشعر الناعم، وارتخاء العضلات، واستدارة الوجه، وكبر حجم اللسان مع صغر الفم، وصغر حجم الجمجمة وغيرها.

دبي - غسان خروب