بعد أن كاد العالم يعلن انقراض أصغر زنبقة ماء في الطبيعة، عادت إلى الحياة من جديد، إذ نجح خبراء من حدائق النباتات الملكية البريطانية الواقعة في ضاحية كيو اللندنية، في زراعتها، في ظل ظروف طبيعية مشابهة للظروف الموجودة في موطنها الأصلي، رواندا.

وتنمو هذه النبتة الصغيرة، التي لا يتعدى قطرها سنتيمتراً واحداً في مناطق الينابيع الحارة في أفريقيا، ولكي نتخيل مدى صغر حجم هذه الزنبقة مقارنة بزنابق الماء الأخرى، يكفي أن نعلم أن قطر أوراق أكبر زنبقة ماء يبلغ ثلاثة أمتار.

اختفت هذه الزنبقة الصغيرة من البرية، قبل سنتين، بعد أن جفت الينابيع الحارة في منطقة ماشيوزا في رواندا، التي تعتبر موطنها الوحيد، بسبب قيام الحكومة هناك بالإفراط في استخدام تلك المياه لأغراض الزراعة.

وتعرف تلك الزنبقة علمياً باسم «نيمفيو ثيرماروم» أو «الزنبقة المائية الحرارية»، ويعود سبب هذه التسمية إلى أنها تعيش على الينابيع الحارة، وكان أول من اكتشفها عالم النباتات الألماني الدكتور أيبرهارد فيشر، وبعد أن لاحظ المخاطر، التي تحيط بها، نقل عينات منها إلى «حدائق بون النباتية» في ألمانيا، حيث أحاطها خبراء النباتات بكل عناية ممكنة، وتمكنوا من أن يبقوها على قيد الحياة، لكنهم فشلوا في إكثارها.

بالمقابل، قام عالم النباتات البريطاني كارلوس ماغدلينا بتجربة، في حدائق كيو، أثمرت عن نتائج أفضل، وذلك بعد أن حصل على بذور من بون، حيث انه أخذ بعين الاعتبار ظروف الحياة في مواطن تلك النباتات، أي في الطين قرب حافة الينبوع، وتمكن من حل لغزها، بأن عرضها للهواء ولتركيزات أكبر من ثاني أكسيد الكربون والأكسجين تفوق تلك الموجودة تحت الماء.

وهذا الجهد استغرق من عالم النباتات كارلوس ماغدلينا عاماً كاملاً، واستطاع أن يحقق نجاحه هذا، بعد أن لم يتبق لديه من البذور سوى 20 بذرة فقط، وفي وقت تمكن فيه جرذ من أن يأكل آخر زنبقتين موجودتين في ألمانيا.

أما الطريقة، التي اتبعها في زراعة تلك البذور، فقد وضع بذور الزنبقة الصغيرة في أوان تحتوي على الطين والماء الدافئ، مبقياً مستوى الماء بارتفاع مستوى الطين، وذلك بعد أن استفاد من معلومات ترجمها أحد طلابه عن الألمانية متعلقة بموطنها.

يقول البروفسور ماغدلينا ان الناس بدأوا يسألونه من أين يستطيعون شراءها، وهو يؤكد لهم أن الأمر، على المدى البعيد، لن يكون صعباً، فهي تحتاج للرطوبة والشمس، ويرى أن العناية بها أسهل حتى من نباتات الزينة البيتية الأخرى، لأن تلك النباتات لا تحتمل الماء الزائد في ريها.

كما يجري ماغدلينا تجارب لتزاوج زنبقة الماء الحرارية مع فصائل أخرى من الزنبق، على أمل الحصول على أوراق وزهور ملونة أخرى. وبالفعل انتعشت آمال النبتة الآن في العودة إلى الطبيعة من جديد، بعد أن اختفت كلياً عن الأنظار في العامين الأخيرين.

زنبقة الماء الصغيرة تعتبر من أقدم الأزهار، وهنا تكمن قيمتها، إذ انه يمكن الاستفادة منها من جانب العلماء، لكي يتعرفوا على تطور النباتات بشكل عام، وإذا عادت مياه الينابيع في رواندا إلى التدفق، فسيتم إعادتها إلى الطبيعة من جديد.

لا يعتبر هذا النجاح الوحيد لحدائق كيو النباتية، إذ قام الخبراء هناك بجهود استثنائية في إعادة الحياة لكثير من الفصائل النباتية، التي تعرضت مواطنها الطبيعية للخراب.

على الرغم من أن ماغدلينا سيكون بحاجة لموافقة الحكومة الرواندية على بيع الزنابق في المستقبل، لكنه من اليوم يتحدث عن الزبائن المحتملين لتلك النبتة، ويتوقع أن يكون إقبال اليابانيين عليها كبيراً جداً، نظراً لشغف الشعب الياباني بالزنبق. أخيراً، تمكن عامة الناس من رؤية زنبقة الماء معروضة في حدائق كيو لأول مرة بمناسبة اليوم العالمي للتنوع النباتي.

يوسف جباعته