أصبح وجود الكاميرات في المدارس امرا مألوفاً ،فمع التطور التكنولوجي وتعقد ظروف المجتمع المدرسي صارت الكاميرات مثل الاخ الاكبر الذي يرصد حركة الجميع ويعد عليهم انفاسهم خاصة في اطار زيادة حالات الضبط للمجتمع المدرسي الذي يمتاز باتساع شرائحه واختلاف أعمار أبنائه الذين قد تصدر منهم العديد من التصرفات غير المرغوب فيها نظراً لسنوات أعمارهم الصغيرة.
فكما نعرف أن وجود المعلم في أروقة المدرسة لم يعد كافياً لضبط كم الطلبة الكبير، ولذلك فوجود الكاميرات قد يعتبر عاملاً مساعداً أو عيناً ثالثة تطل من خلالها إدارة المدرسة على الأماكن «المظلمة»، أو البعيدة والتي لا يمكن الوصول إليها في أي وقت، خاصة في أوقات الفسحة حيث يتواجد كافة الطلبة خارج فصولهم في آن واحد. مواقف مختلفة ورغم فوائدها إلا أن وجود الكاميرات في المدارس قد واجه معارضة بعض العاملين في المجال التربوي، ووصفوها بأنها عامل تجسس على الطلبة وبالتالي وجودها سيؤثر في ثقتهم بأنفسهم، في حين يرى المؤيدون لها الأمر من زاوية أخرى، وأنها ستساعد على ضبط هذا المجتمع وتقوي من عزيمته.
الأمر ذاته كان محل اهتمام الطالبة شمسة درويش المري - جامعة الشارقة - والتي فضلت من خلال دراستها «اتجاهات الطلبة نحو وجود الكاميرات في مدارس دبي»، أن تبحث مدى تأثير وجود الكاميرات في المدارس في الطلبة.
ومدى تقبلهم أو رفضهم لها، علماً بأن وجودها في المدارس قد حل الكثير من المشكلات التي طالما عانت منها إدارات المدارس، حيث ساهمت في إعادة ضبط الطلبة، والتخلص من مشكلات عديدة لطالما أقلقتها.
وقد تبدو نتائج دراسة شمسة مثيرة للجدل نوعاً ما، خاصة أن هذه التجربة قد أثبتت نجاحها في بعض المدارس التي اتبعت هذا النظام داخل حرمها، إلى جانب أن الكاميرات أثبتت فعاليتها في فرض الأمن ولنا في حادثة المبحوح خير دليل، حيث تمكنت شرطة دبي من التوصل إلى الجناة عبر كاميرات المراقبة المثبتة في الفندق والمطار.
عينة عشوائية
وعن هدف دراستها قالت شمسة المري: حاولت من خلال دراستي هذه التعرف إلى اتجاهات الطلبة نحو وجود الكاميرات في مدارس دبي، عبر معرفة السلوكيات غير المرغوبة بالمجتمع المدرسي.
والشروط التي يجب مراعاتها عند وضع الكاميرات في المدارس، وأبرز الأماكن التي يجب أن تتواجد فيها إلى جانب معرفة نسبة المؤيدين والمعارضين لوضع الكاميرات في المدارس الحكومية والخاصة، ولذلك فقد قمت باختيار عينة عشوائية قوامها 100 طالب وطالبة ينتمون إلى ثلاث مدارس بدبي.
وأضافت المري: أدرك تماماً أن فكرة تركيب كاميرات في المدارس ليست جديدة، وهي مطبقة بالفعل في بعض المدارس الخاصة للتأكد من عدم وقوع أية تجاوزات داخل الحرم المدرسي.
وسبب اختياري لهذا الموضوع هو أن وجود الكاميرات استطاع أن يثير جدلاً واسعاً في الميدان التربوي وأن يقسمه إلى مؤيد ومعارض، فضلاً عن أن هذه الفكرة بدأت تطرح بقوة مؤخراً بعد وقوع عدد من الحوادث التي راح ضحيتها طلبة صغار، وهو ما جعلها سبباً لظهور فكرة كاميرات المراقبة لتكون شاهدة على ما يحدث داخل الحرم المدرسي لمنع أي تجاوزات قد تحدث فيه.
وواصلت المري: من وجهة نظري أرى أنه يجب أن تكون هناك كاميرات في المدارس وذلك لضمان عدم حدوث أية تجاوزات فيها، ولكي يتم الرجوع إليها في حالة وجود شكوى من الطلبة، إلى جانب أنها تضمن الالتزام والانضباط داخل لجان الامتحان وضبط أي حالات غش قد تحدث.
أرقام ونسب
دراسة شمسة التي أجرتها على ثلاث مدارس في دبي، توصلت إلى أن 26% من المستطلعين يؤيدون وجودها، وأن 33% يرفضون ذلك، في حين قال 59% بأن وجود الكاميرا في المدرسة ضروري للمحافظة على أمنها، واعتبرها 57% نوعاً من التجسس على الطلبة والمعلمين، في حين رأى 55% بأنها لا تغرس القيم المثلى ومفاهيم الرقابة الذاتية في نفوس الطلبة، في المقابل اعتبر 52% أن وجودها يؤدي إلى تخويف الطلبة من الرقابة،.
ويعتقد 39% أنها تعتبر عيناً للمراقبة لتعديل كل ما هو خاطئ في المدرسة، وبالتالي فإن وجودها يسهم في القضاء على كثير من السلوكيات السلبية، ورأى 47% بأنها تمكن أحياناً من التعرف إلى السلوكيات الأكثر انتشاراً في المدرسة، وأفاد 49% بأنها تؤدي في أحيان كثيرة إلى تقويم السلوك الداخلي والخارجي في الطلبة.
تأثيرات كاميرا المراقبة
لم تتوقف نتائج الدراسة عند هذا الحد، وإنما توسعت نحو معرفة مدى تأثير الكاميرات في تقليل السلوكيات السلبية في المجتمع المدرسي، وحول ذلك أكد 36% أن وجودها يساعد إدارة المدرسة على الكشف عن حوادث السرقة التي قد تحدث بين الطلبة، في المقابل رأى 41% منهم بأنها تحد في أحيان كثيرة من حوادث التحرش والاعتداء الجنسي التي قد تحدث داخل المدرسة.
في حين قال 28% بأنها تسهم في وضع حد للعنف الطلابي في الساحات والممرات المدرسية، ولانتشار السلوكيات الشاذة بين الطالبات داخل الحمامات والفصول الخالية، ويرى 23% بأنها تقلل من الفوضى التي يحدثها الطلبة بعد خروج المعلم من الفصل، وتساعد على القضاء على التسرب من الحصص الدراسية.
شروط ومتطلبات
بالتأكيد أن وجود الكاميرات في المدارس يجب أن تتبعه قائمة طويلة من المتطلبات، أو الشروط التي يجب مراعاتها عند التركيب من حيث كتم الأسرار وعدم الاستغلال السيئ لها، إلى جانب طبيعة المكان الذي توضع فيه، وحول ذلك قالت شمسة:
هذه الأمور تعتبر مهمة جداً في حالة وجود كاميرات بالحرم المدرسي، وقد أخذتها بعين الاعتبار عند إعداد الدراسة، ووجدت بأن 73% شددوا على ضرورة توافر الأمانة وكتم الأسرار لدى مراقبي هذه الكاميرات، وأن 70% من المستطلعين طالبوا بضرورة توكيل هذه المهمة إلى أشخاص متخصصين في المجال التربوي والاجتماعي.
وأضافت شمسة: أماكن وجود الكاميرات تلعب دوراً مهماً في تأدية عملها، ولذلك فقد وجدت بأن 65% أشاروا إلى ضرورة وجود الكاميرات أمام مدخل غرفة الحارس، وأن 55% طالبوا بوجودها في مداخل المدرسة، في حين أن 25% طالبوا بضرورة تثبيت الكاميرات في الفصول وبالقرب من الحمامات.
تحقيق الانضباط
في المقابل، كان لا بد لنا من التعرف إلى آراء الأخصائيين الاجتماعيين في بعض المدارس حيال هذه القضية، فمن جهتها قالت أروى سيف، الأخصائية الاجتماعية في مدرسة الاتحاد الخاصة بالممزر:
لقد كان تركيب كاميرات المراقبة واحدة من ضمن جملة الوسائل المقترحة لضبط السلوكيات المخالفة في المدرسة، ولكن بالنسبة لي أرى أن تحقيق الانضباط في المجتمع المدرسي يكمن وفق آليتين هما الانضباط الذاتي الايجابي النابع من داخل الطالب نفسه، والانضباط الخارجي السلبي من خلال لائحة الأنظمة السلوكية والتهديد والعقاب.
وأكدت أروى أن الآلية المبنية على العقاب، وهي الأكثر شيوعاً بين أوساط الطلبة تكون نتائجها خرق قوانين المدرسة، وهو الأمر الذي دعا بعض التربويين إلى التفكير في تركيب الكاميرات لمراقبة الطلبة وضبط سلوكياتهم.
ومن وجهة نظرها ترى أروى أن هذه الوسيلة لا تندرج ضمن الوسائل التربوية التي من شأنها أن تضبط سلوك الطلبة، بل إنها تشكل هروباً من المسؤوليات تجاه أساليب تعديل السلوك بالمدارس، عازية ذلك إلى أن مراقبة السلوك بواسطة الكاميرات هو تجسس وخرق لحرية الطالب الذي سيكون موضع شك وعدم ثقة فيه، ما يؤدي إلى زعزعة ثقته بنفسه ليصبح الطالب غير قادر على المواجهة أو اتخاذ القرار.
مشيرة إلى أن استخدام الكاميرا قد ينحرف عن الهدف من وجودها، ويصبح تفسير بعض الحركات أو الأفعال الصادرة عن الطلبة في غير مكانه، لأن حركة الجسد أحياناً لا تتواءم مع المراد قوله.
ودعت اروى إلى الاستعانة بالكاميرات عند مداخل المدارس الرئيسة للتعرف إلى هوية الزائرين لحفظ أمن المدرسة، وبينت العديد من الطرق التي يمكن الاعتماد عليها لضبط سلوك الطلبة، مثل التوازن بين الحرية المعطاة للطالب وبين النظام وقواعد الانضباط المدرسي، وقيام المعلمين بغرس السلوك الانضباطي لدى الطلبة من خلال تعاملهم الصادق معهم، وتجنب إهمال علاج السلوك الخاطئ، وتفعيل دور الاختصاصيين الاجتماعيين في المدارس.
حماية الطالب من السلوكيات السلبية
عن تأثير الكاميرا النفسي في الطلبة قال شريف الدين، الأخصائي الاجتماعي في المعهد الديني للتعليم الأساسي والثانوي في دبي، إن وجود الكاميرا لن يكون له تأثير نفسي في الطالب الملتزم، بعكس الطالب غير الملتزم، ولذلك فالفئة التي ستتأثر من وجودها هي التي لديها نية للإقدام على فعل غير سوي، علماً بأن إدارة أي مدرسة لا تمنع الطالب حريته، وإنما تحميه وبقية الطلبة من أي سلوك سيّئ قد يؤثر فيه مستقبلاً.
وأكد شريف أن تجربة وضع الكاميرات في المدارس قد أثبتت نجاعتها، خاصة أن عدداً من مدارس دبي الحكومية والخاصة استخدمتها داخل الحرم المدرسي.
وحول شخصية مراقب الكاميرا، أفاد شريف: يجب أن يكون مراقب الكاميرا أهلاً للثقة وألا يكون اختياره عشوائياً، وعموماً يفترض أن يكون العاملون في الميدان التربوي أهلاً للثقة إلا إذا ثبت العكس، واعتقد أن هذا الأمر يعود إلى إدارة المدرسة في اختيار الشخص المناسب، خاصة أن هذه العملية مهمة جداً، وتتطلب شخصاً قادراً على حفظ الأسرار ومعالجة السلبيات إن حدثت في المجتمع الطلابي.
دبي - غسان خروب

