تحتل السياحة البيئية أو الطبيعية كما تسمى أحياناً مكانة مهمة في العديد من بلدان العالم التي تتمتع بغنى مواردها الطبيعية، لكن قلما نرى موقعاً نائياً يقصده السياح من كل حدب وصوب لرؤية حيوان واحد بعينه، اللهم، إلا إذا كان ذلك الكائن غير موجود في أي مكان آخر على وجه الأرض.

هذا هو حال متنزه كومودو الوطني بإندونيسيا الذي يتجتذب فئة معينة من المسافرين المتلهفين لرؤية تنين الكومودو الذي لا يوجد في أي مكان آخر في العالم. ففي هذه الأرض اليباب القاحلة وشديدة الحرارة، تنتشر مئات الزواحف العملاقة اللاحمة التي تركض أسرع من الإنسان ويمكنها أن تتغلب على جاموس الماء الضخم.

وتنمو أكبر سحلية بالعالم ليصل طولها إلى عشرة أقدام ووزنها إلى مئتي رطل، وهي قادرة على التهام ما يعادل نصف وزنها في وجبة واحدة. وبمساعدة الرياح، تستطيع هذه الحيونات أيضاً أن تشتم رائحة الدماء من على مسافة خمسة أميال. وكما هو متوقع فإن الأرخبيل الذي يتألف منه هذا المتنزه الوطني غير مأهول بالسكان.

أو بالأحرى يكاد يكون غير مأهول. ففي قرية كابونج كومودو الساحلية، استطاع العديد من الصيادين من عرق بوقيس التعايش مع نحو 1200 تنين تبسط هيمنتها على الحياة البرية في جزيرتهم.

ولا تتردد هذه التنانين في مهاجمة البشر إذا سنحت لها الظروف. ففي يونيو 2007، هوجم صبي في التاسعة من عمره بينما كان يقضي حاجته بين الإحراج على أطراق القرية.

وقد هرب التنين بعد ما هرع إليه بعض بعض الرجال المسلحين بالعصي، لكن ذلك لم ينقذ الفتى التي لقي حتفه بسبب النزيف الشديد، ليصبح بذلك واحداً من بضع ضحايا فقط، تم توثيقهم على مدار السنين.

والجدير بالذكر ان وجود نحو خمسن نوعاً من البكتيريا الخطيرة في لعاب هذه السحالي يعني أن عضة واحدة منها يمكن أن تقتل الإنسان ما لم يتلقى العلاج المناسب. ويبني أهالي القرية بيوتهم على ركائز خشبية مرتفعة عن سطح الأرض، ويبقون مواشيهم على مساطب خشبية مرتفعة، زيادة في الاحتياط.

وفي ساعات المساء، عندما يكون التنين في ذروة نشاطه، يحرص أهالي القرية على عدم الابتعاد عن محيط البيت المنار بمصباحه الخارجي. كما يتجنب الجميع هنا ارتداء الملابس الحمراء لأنها تجذب انتباه السحالي الشرسة لكونها تشبه لون الدم.

ويقول البعض ان تلك الزواحف تنزل من أعالي التلال بوتيرة أكثر هذه الأيام لتصطاد الحيوانات، لكن السكان البوقيسيون يؤكدون على ان التنانين كانت على الدوام مصدر فائدة أكثر منها مصدر أذى بالنسبة لهم وذلك لأنها تجتذب الزوار الغرباء ، وأموالهم، إلى الجزيرة النائية الفقيرة. ويسكب السكان المحليون جزءاً من دخلهم عن طريق بيع المنحوتات الخشبية للسحالي العملاقة إلى الزوار، لدى وصولهم إلى مدخل المتنزه الوطني على متن القواب الخاصة أو السفن الملاحية الكبيرة. ويقول قدير أحمد، أحد سكان متنزه كومودو: «السحالي تعيش هنا، ونحن لدينا أسر يجب أن نعيلها. ولذلك يجب أن نتشارك مع أصدقائنا التنانين».

إنها علاقة تكافلية. فسكان الجزر الكومودو، وغالبيتهم من عرق بوقيس المسلم، لا يأكلون لحم خنازير التيمور التي يتغذى عليها التنين، كما انهم يمتنعون عموماً عن صيد الغزلان وجواميس الماء، تاركين بذلك فرائس وفيرة أسهمت في إبقاء أعداد السحالي مرتفعة حتى الآن. ويقول يوسف سهابون، أحد حراس المنتزه القدامى:

«هؤلاء الناس هم الشعب المثالي لهذه الأرض لأنهم يفهمون أهمية التنين لحاضرهم ومستقبلهم»، وبرغم وجود بعض ممارسات الصيد المحرم فإن الخروقات تحدث على أيدي أشخاص يأتون من خارج الجزر.

والكلام نفسه ينطبق على الصيادين الذين يستخدمون الديناميت لتفجير الحيود المرجانية فائقة التنوع في جزر الكومودو، مهددين بذلك منظومة إيكولوجية فريدة توفر تجارب غوض فريدة من الطراز العالمي.

لكن القيود الصارمة والإجراءات المشددة التي فرضتها الحكومة الإندونيسية قد نجحت في كبح مثل تلك المشاكل في السنوات القليلة الماضية، جاعلة المكان وجهة مفضلة للسياح فقط دون غيرهم من الطامعين في التربح من الثروات الطبيعية النادرة لهذا المكان.

علي محمد