ثلاث عشرة فتاة إماراتية في عمر الزهور ساقهن شعور إنساني وإصرار الى تحقيق حلم جميل يظل محفوراً في الذاكرة، وقد وجدن أنفسهن في قرية صغيرة لا يتحفز آخرون للوصول إليها أبداً، هذه القرية تسمى «باباي»، وتقع في مقاطعة شنغماي في تايلاند، وفيها أمضت الفتيات أربعة أيام متواصلة لا تخلو من مشقة سريعاً ما تذهبها لحظات جميلة من المتعة والإيثار.

هؤلاء الفتيات خلت زيارتهن إلى تايلاند من ملامح السياحة أو العلاج كما اعتاد الكثيرون السفر إلى تلك البلاد.. واتسمت رحلتهن بأجواء إنسانية عابرة للحدود، حيث كان الهدف من وراء تواجدهن في تايلاند تطوعياً ووجد ضمن نشاط مؤسسة عالمية تحمل شعاراً إنسانياً جوهره «حياة أفضل للبشرية» وتعنى بمساعدة الفقراء أينما وجدوا. مشقة وإصرار طالبات جامعة زايد في دبي وللمرة الثانية خلال عامين، يقطعن حدوداً طويلة بهدف المشاركة في رسم البسمة على وجوه من يحتاجونها، وقد وصلن هذه المرة إلى تايلاند بإصرار ذاتي على ترك بصمة إماراتية عريضة في لوحة التطوع العالمية التي تنظم مثل هذه الفعاليات في جميع أنحاء العالم.

ولكن الشيء المختلف هذه المرة أن الفتيات صاحبات تلك المبادرة بحثن عن رعاة يمولون لهن رحلتهن الإنسانية تلك، لكنهن لم يجدن من يأخذ بطموحاتهن إلى الأمام، وسريعاً جاء قرارهن بالمشاركة في ذلك الحدث العالمي رغم تحملهن تكاليف الرحلة كاملة، وذلك يحسب لهن تماشياً مع نواياهن في الوصول إلى الفقراء وترك بصمة سامية في قلوبهم.بدأت رحلة التطوع المثيرة في الثاني من أبريل الماضي وتواصلت لبضعة أيام مفعمة بالمشقة والتعب والعمل الجاد والمنظم للوصول إلى مبتغاهن في رسم ملامح بيت تايلاندي بسواعد إماراتية ناعمة، وكان لهن ما أردن وهن اللواتي حرصن على العمل ساعت طويلة طوال اربعة أيام متتالية.

وقد اكتملت مهمتهن على نحو هندسي مكتمل الأركان، إذ عملن خطوة بخطوة تحت إشراف فريق مختص ومتابع من المنظمة العالمية، وهو ما أثار فضولاً جميلاً في نفوس أبناء البلدة الذين حرصوا على التقرب من الفتيات «عاملات البناء» اللواتي أكملن حلم رب أسرة فقير في أن يملك بيتاً وينهي سنوات من البقاء في بيت من القش كان يملكه.

تواصل إيجابي

تقول الطالبات المشاركات في المشروع التطوعي العالمي أنهن وصلن إلى تايلاند يحملن أهدافاً إنسانية سامية، ولا يبحثن سوى عن ترك الأثر الطيب في نفوس الفقراء والمحتاجين، وكان لهن ما أردن حيث بدت حالة التعاطف والإعجاب واضحة على وجوه أبناء القرية البسطاء الذين حرصوا على تفسير أسباب ذلك الحس الإنساني القادم من خلف البحار والمحيطات بهدف ترك ابتسامة رضا على وجوه فقراء العالم.

حاولت الطالبات الوصول إلى شريحة السكان هناك بمختلف الوسائل، وظلت المشكلة الوحيدة التي تواجههن، هي أن السكان هناك لا يجيدون التحدث بالإنجليزية، ولكنهن وبفعل انتظامهن وحرصهن على إتمام مهمتهن الإنسانية تلك.

ونتيجة لحسن التعامل مع القادمين للتعرف على ما يصنعنه فتيات عربيات في قلب تايلاند، فقد تركن في نفوس الجميع أثراً إيجابياً، حيث تؤكد الفتيات أن السكان هناك لا يمكن أن يغفلوا ذلك الأثر من ذاكرتهم مهما طالت السنوات، وهو ما كان لديهن أيضاً.

الطالبات المشاركات في تلك المبادرة الإنسانية العالمية، تواجدن في قرية تايلاندية صغيرة بمعية ثلاثة مرافقات من الجامعة، إلى جانب مسؤولة بناء من تايلاند بالإضافة إلى مساعدة عدد من طلبة جامعة شنغماي الذين قدموا للتعرف على واقع المبادرة تلك، ومشاركة الفتيات في مشروعهن الإنساني الذي أثار إعجاب الكثيرين هناك.

واقع عملي يترك في النفس أثراً، حيث بدأت الفتيات ومنذ وصولهن إلى تايلاند العمل على قدم وساق حتى تمكنّ من الانتهاء من مهمتهن في تشييد منزل لأسرة فقيرة مكونة من أربعة أشخاص وفي أيام معدودة، حيث تؤكد الطالبات أن صاحب المنزل تكفل بتوفير مواد البناء للطالبات، ثم تنحى جانباً وترك لهن مهمة صنع بيت أحلامه.

بدأت الطالبات بإدخال كميات كبيرة من الرمل إلى موقع تسوية البيت الذي لا ينسى، ومن ثم انتقلن إلى خلط مواد البناء الأخرى مع الإسمنت وتقوية دعائم البيت، قبل أن تبدأ مراسم البناء للجدران، وفي غضون أيام قليلة أكملن مهمتهن هناك وتركن مراحل التجهيز الأخرى لفريق غيرهن ربما يأتي من أي دولة أخرى من العالم، وذلك بالترتيب مع صاحب البيت الذي يتوجب عليه تأمين أدوات التشييد الأخرى.

ذكريات جميلة

تقول الطالبات اللواتي أمضين في تايلاند ثمانية أيام مفعمة بالذكريات التي لا تنسى، أنهن حرصن على العمل منذ ساعات الصباح الباكر والمواصلة وقت الظهيرة تحت الشمس حتى ساعات العصر.

ومن ثم يعدن إلى محل إقامتهن في فندق قريب من البلدة المستضيفة، لكن مهمة البناء استغرقت 4 ايام فيما حرصت الجهة المنظمة للمبادرة الإنسانية تلك على أخذ الطالبات في رحلة ترفيهية لزيارة بعض أبرز المعالم في تايلاند، قبل أن ينتهين من جدول الزيارة ويعدن لمواصلة الدراسة في جامعة زايد في دبي.

وبفعل تلك المبادرة المثيرة، فقد تسلحت الطالبات بحس إنساني يتخطى حدود الدولة أو الإقليم إلى ما أبعد من ذلك، لا سيما وأن العمل التطوعي لا يعترف بدين أو بلون أو بعرق.

حيث الحاجة إلى المساعدة تحافظ على شكل واحد في جميع أنحاء العالم كما تؤكد الطالبات، اللواتي يطمحن للبقاء في هذه الأجواء على الدوام بحكم أن الدين والعادات والتقاليد تحض دائماً على مساعدة المحتاج ونقل الصورة الإيجابية والوجه المشرق للدولة إلى العالم أجمع.

حس المواطنة في رحلة البناء

حرصت طالبات جامعة زايد المشاركات في رحلة التطوع العابرة للحدود، على الاحتكاك مع المجتمع المحيط بهن في مقاطعة شنغماي في تايلاند والتواصل مع السكان هناك، بما يفسر لهن تساؤلات كثيرة بدت واضحة على وجوه الجميع.

ومن أجل ذلك فقد أمضت الفتيات العاملات في بناء بيت تلك الأسرة التايلاندية الفقيرة، أياماً مليئة بالحكايات والمواقف الطريفة والإيجابية، لا سيما وأن جمهور السكان بدا معجباً إلى حد كبير وهو يلامس عن قرب حساً إنسانياً عالمياً نابعاً من وحي المواطنة الصادقة لفتيات الإمارات.

وكما توضح المشاركات في رحلة البناء فوق جبال تايلاند، فإن مبادرتهن التطوعية أتت بنتائج إيجابية كبيرة وملموسة، خاصة وأن السكان هناك عايشوا لحظات من الإيثار والعمل الجاد والشاق لفتيات زائرات أخذن على عاتقهن حملاً وطنياً وإنسانياً مختلفاً.

بما يعكس انتماءهن وولاءهن لدولة الإمارات التي تتخذ من الشعور الإنساني تجاه البشرية جمعاء نهجاً في الارتقاء والوصول إلى أسمى المراتب العالمية، كما ترى طالبات جامعة زايد صاحبات التجربة الفريدة.

تطوع

الدكتور سليمان الجاسم مدير جامعة زايد اعتبر أن مبادرة طالبات الجامعة بالمساهمة في الأعمال الإنسانية داخل الدولة وخارجها تعزز مفاهيم العمل التطوعي والمشاركة المجتمعية.

والتي تحرص الجامعة على تجسيدها من خلال خطتها الدراسية والأكاديمية وبرامجها الريادية التي تتيح الفرص لطلبتها لتقديم أفكارهم وإبداعاتهم من خلال الأنشطة المتنوعة بدعم وتوجيهات معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي رئيس جامعة زايد، الذي يؤكد دائما على دور الجامعة الحيوي باعتبارها مركزاً علمياً وثقافياً ينبغي أن يقدم خدماته وخبراته للمجتمع على كافة الصعد.

وأشار الجاسم إلى أن الجامعة تطرح مساقات في أهمية العمل التطوعي في إطار إستراتجيتها التعليمية باعتباره عنصراً مهماً في هويتنا الإسلامية والعربية، ويعكس في الوقت نفسه الوعي الحضاري لأبناء المجتمع ويساهم أيضا في صقل شخصيات الطلبة وتأهيلهم للمشاركة في تحمل مسؤولية تنمية مجتمعهم.

مضيفاً أن مشاركة طالبات الجامعة في هذا العمل الخيري تأتي أيضاً في إطار سلسلة الحملات والبرامج التطوعية والإنسانية التي تنظمها الجامعة في المناسبات المختلفة.

ولمساعدة الضحايا والمتضررين من جراء الحروب والكوارث الطبيعية في مختلف أنحاء العالم، والمشاركة في الفعاليات التي تساهم في مد يد العون دائماً للمحتاجين في دول العالم بهدف تعزيز جسور التواصل الإنساني مع الشعوب دون النظر للعقيدة أو اللغة، وذلك تجسيداً لقيم الخير والتسامح التي تميز المجتمع.

دبي ـ عنان كتانة