يعاني بعض الطلبة من عدم القدرة على التأقلم مع نظام التعليم العام ربما لأنهم يبحثون عن شيء آخر يرغبون في تعلمه، بمعنى أنهم يمتلكون مهارات وقدرات ولكن لأسباب عديدة لم يتمكنوا من توجيهها بالشكل الصحيح في ظل عدم وجود ذلك المستوى من الاهتمام في مدارس التعليم العام من التركيز على معرفة ميول الطالب وتوجيهها من البداية، لذا نجد البعض يخفق أو يتسرب.
كما قد يمر بعضهم بمشكلات اجتماعية وأسرية تؤثر على دراستهم، وفي المحصلة نجد هذا الطالب ينقطع عن الدراسة ويبقى في المنزل ويصبح عرضة للعديد من المشكلات وعبئاً على مجتمعه، لذا فإن احتواء هذه الفئات الطلابية وتحويلها لعناصر ناجحة وفاعلة في المجتمع ربما يراه البعض حلماً بينما هو واقع يمكن لمسه في مركز التعليم والتأهيل المهني بأبوظبي. هذا المركز هو أحد المؤسسات التابعة لمعاهد التكنولوجيات التطبيقية ويعد تجربة نادرة على مستوى المنطقة، حيث تأسس منذ ثلاث سنوات بتوجيهات الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بهدف توفير فرص جديدة للطلبة المتعثرين دراسيا وتأهيلهم لسوق العمل بمنحهم شهادات ثانوية معترف بها محلياً ودولياً وفق برنامج تعليمي تطبيقي متكامل بمعايير عالمية.
ويلعب دوراً رائداً في استقطاب شريحة من الطلبة الذين انقطعوا عن مدارس التعليم العام بعد أن واجهوا مشكلة الرسوب المتكرر لأسباب متعددة منها عدم تفاعلهم مع التعليم التقليدي أو ربما لمشكلات أسرية أثرت عليهم أو ظروف اجتماعية، ولكن المهم أنهم تركوا الدراسة وجلسوا في منازلهم ربما لسنوات دون هدف مستقبلي.وكما ذكر الدكتور عبد اللطيف الشامسي مدير عام معاهد التكنولوجيا التطبيقية التي يتبعها المركز، أن الفشل هو عدم استيعاب الطلبة المتعثرين دراسياً لأن النجاح لا يعتمد طريقا واحدا فقط، فقمة النجاح هي انتشال شخص مرشح ليكون عالة على المجتمع وتحويله إلى شخص معيل ومنتج ومساهم في نهضة بلاده.
وأوضح الشامسي أنه يتم قبول الطلبة في مركز التعليم والتأهيل المهني ممن تتراوح أعمارهم بين 14 إلى 23 سنة من مواطني الدولة، وكل طالب يحصل على مكافأة شهرية مجزية، ويوفر له المركز السكن الداخلي والغذاء والمواصلات.
إضافة لرحلات تعليمية وترفيهي داخل وخارج الدولة، مؤكدا على فلسفة المركز تقوم على شعار «أخبرني سأنسى، أرني ربما أتذكر، أشركني عملياً سأتذكر»، فبهذه القاعدة يتعلم الطلبة في جو يعتمد بالدرجة الأولى على التطبيق العملي، والوظيفة شبه مؤمنة لهم بعد التخرج، كما لدى الطلبة فرصة لمتابعة تعليمهم.
تأهيل وظيفي
وعن طبيعة البرامج المطروحة ذكر الشامسي أن المركز يطرح نوعين من البرامج الأول مدته ثلاث سنوات وهو برنامج «التدريب المهني».
ويحصل بموجبه الطالب على ثانوية معادلة من الناحية الوظيفية تؤهله للعمل مباشرة في إحدى الشركات في إطار تخصصه المهني، وتشمل الثلاث سنوات سنة تأسيسية وسنتين في التخصص سواء كهرباء أو ميكانيكا أو شبكات الحاسب الآلي أو إدارة المرافق و البيئة أو عمليات الأمن، وقد تم تخريج دفعتان من البرنامج.
أما البرنامج الثاني فهو برنامج «التعليم الفني» ومدته خمس سنوات يحصل بموجبه الطالب على ثانوية معادلة من الناحية الوظيفية والأكاديمية والتي تؤهله لإكمال دراسته الجامعية بعدها.
ويشمل سنة تأسيسية وأربع سنوات تخصص في مجالي الكهرباء والميكانيكا، وسيتم تخريج أول دفعة من هذا البرنامج العام 2012م، منوهاً إلى أن الشهادات التي يقدمها المركز معادلة من قبل وزارة التربية والتعليم.
المتابعة والكشف المبكر
وأكد د. الشامسي على العمل المتناغم والمتكامل بين كافة المؤسسات التعليمية التي تتبع معاهد التكنولوجيا التطبيقية، بمعنى أن الطالب في معهد التكنولوجيا التطبيقية إذا واجه مشاكل دراسية ولم يتمكن من تحقيق نتائج جيدة تمكنه من متابعة دراسته بنجاح فإن المعاهد تقوم بتحويله لتلقي تعليم فني ومهني في مركز التعليم والتأهيل، وأن هناك حالات بالفعل تم تحويلها.
مشيراً إلى أنه من الضروري متابعة أداء الطالب وكشف إمكاناته ليتم توجيهه للتعليم المناسب دون هدر سنوات من عمره، متمنياً أن تكون لدى مدارس التعليم العام الفرصة لتحقيق ذلك وقياس ميول الطالب وفي حال عدم قدرته على الانسجام مع التعليم التقليدي العام بأن يتم توجيهه لمراكز التعليم الفني والمهني بشكل مبكر ودونما دخوله في سنوات انقطاع عن الدراسة.
في الورش العملية
في ورشة ميكانيكا السيارات ذكر الطالب خالد محمد الحوسني المتوقع تخرجه هذا العام أنه وجد في المركز ما كان يبحث عنه، فقد ترك المدرسة لأنه لم يتأقلم مع الدراسة التقليدية التي تتمثل في الحصص والامتحانات والواجبات وأراد شيئا مختلفا، وانقطع عن الدراسة لمدة ثلاث سنوات قضاها في المنزل وكما يصف تلك الفترة فيقول:
«كان الليل نهاراً والنهار ليلاً بالنسبة لي»، ولكن أحد أقربائه تحدث إليه عن المركز فرغب في التجربة، ويقول خالد إنه وجد المركز أفضل مما توقع والأهم أنه وجد ما يبحث عنه فهو يحب مجال العمل الفني وأحب كثيرا ميكانيكا السيارات التي تخصص بها.
ويرغب في متابعة دراسته والسعي لتحصيل فرصة لدراسة هندسة السيارات في أستراليا، وقد تلقى خالد عرضان للعمل لدى شركتان بالدولة وسيختار بينهما.
وحول ما إذا أصبحت له رؤية وأحلام مختلفة في حياته ذكر خالد أنه اليوم بفضل المعهد أصبح يحمل شهادة يمكنه من خلالها تطوير ذاته وبالتالي الحلم بتكوين أسرة مستقبلا وافتتاح مشروع خاص.
تحول دراسي وشخصي
أما الطالب عبد الله عتيق الغافري في تخصص ميكانيكا السيارات فهو من بين مجموعة تم اختيارها للتوجه في بعثة دراسية تدريبية لمدة أربعة أشهر تشمل عدة دول وهي النمسا وبريطانيا وأمريكا وفرنسا للاطلاع على مصانع التي يرتبط عملها بالميكانيكا ومنها مصانع الطائرات.
معتبرا أن تحولا هاما حدث في حياته منذ التحاقه بالمركز، فقد ترك عبد الله الدراسة من نهاية الحلقة الثانية وبقي في المنزل عام كامل، لأنه كان يواجه صعوبة في هذه الدراسة .
وبالتالي لم يكن محبا لها وكان يبحث عن عمل مهني وشيء ينجزه بيده وليس كتباً يدرسها ويحفظها، خاصة أنه يهوى الالكترونيات، مشيرا إلى أنه التحق بالمركز الذي طور كثيرا منه دراسيا وفنيا وشخصيا لأنه يقيم في سكن المركز ويمضي يومه مع زملائه، وهناك وقت للترفيه من خلال الرياضة وصالة الجيم والنادي الاجتماعي بالإضافة إلى النشاط المسرحي والذي يتميز فيه.
الجو الأسري
الطالب علي يعقوب من تخصص الكهرباء حقق تميزاً في المركز حتى أن إدارة المركز كافأته بالسماح له بالإقامة مع أسرته والحضور اليومي للمركز بعد موافقة الأسرة بدلاً من الإقامة داخل المركز كنوع من التشجيع له.
وهو يرى أن جو المعهد جيد وبه كافة الخدمات ولكنه يحب الجو الأسري في المنزل كثيرا، والتحق علي بالمركز لحبه لمجال الكهرباء والصناعات المرتبطة بها، وها هو على وشك التخرج من المركز والالتحاق بسوق العمل.
أحد الطلاب تحدث عن قصته ومعاناته الأسرية الكبيرة خاصة بعد فقدان والده وتنقله من مكان لآخر والعديد من الخلافات الأسرية التي كانت موجودة بسبب الإرث وغيرها مما أثر على سير حياته وأدائه في المدرسة، الأمر الذي جعله يخفق في فترة من حياته.
ولكنه الآن ملتحق بمركز التعليم والتأهيل وهو من الطلبة المتميزين في تخصصه ويسعى بشكل كبير ليكون ناجحا في حياته العملية، بل ويتحدث بفخر عما حققه معتبراً أن معاناة أي فرد يجب ألا تكون دافعا للفشل بل للنجاح وتحقيق الأفضل وهذا ما وجده في المركز.
أخصائي وأب للطلاب
الأخصائي الاجتماعي بالمركز عبد الله محمد علي عند سؤاله عن دوره في المركز أجاب: «أنا أب للطلاب» حيث اعتبر أن الطلبة يقيمون داخل السكن المخصص لهم في المركز ويتوجهون إلى أسرهم في نهاية الأسبوع فقط، وبعضهم ربما كانت لديه مشكلات أسرية سابقا قبل الالتحاق بالمعهد أثرت حتى على دراسته في المدرسة.
وبالتالي فإن التعامل معهم بشكل ناجح يتطلب أن يشعروا بأنهم يعيشون مع أسرة المركز وأنه كأخصائي هو والد لهم، يستمع إليهم ويحفظ أسرارهم ويعينهم في حل مشكلاتهم والأهم أنه لقربه منهم يتمكن من مساعدتهم حتى في تحديد تخصصاتهم.
وأشار عبد الله إلى أن فكرة تأسيس هذا المركز هي فكرة رائدة تؤكد حرص القيادة على كل عنصر مواطن من أبناء الدولة واهتمامها بأن يكون إنساناً صالحاً ومتعلماً يفيد وطنه وذاته.
موضحاً أن المركز يعنى باستقطاب الطلبة المتعثرين دراسيا لأسباب مختلفة سواء أكاديمية أو أسرية وغيرها، معتبرا أنه أيا كانت مشكلة الطالب التي قادته لترك الدراسة إلا أنها فتحت أمامه باب الفراغ والعيش بلا هدف، فيحيا دون نظام يومي ويعتاد السهر لأن وقت الفراغ كبير ولا يوجد شيء مفيد يملؤه.
والأسوأ أن البعض قد ينجذب لرفاق السوء ويصبح عرضة للانحراف، لذا فإن معرفة ما يريده هؤلاء الطلبة ومساعدتهم على إيجاد التعليم الذي يفضلونه وتحويلهم إلى كوادر متخصصة تحتاجها مؤسسات الدولة يعد بحد ذاته إنجازاً كبيراً للمركز يؤكد عمق رؤية وحكمة قيادتنا الرشيدة، فالمركز حماية لهم من الوقوع في براثن البطالة أو الانحراف.
100% نسبة التوظيف في مركز التعليم المهني
قال الدكتور خضير عابد مدير مركز التعليم والتأهيل المهني إن المعهد حقق إنجازاً كبيراً حتى الآن في استيعاب تلك الأعداد الكبيرة من الطلبة وتحقيق نسبة توظيف للخريجين على مدار عامين بلغت 100%.
وأن برامج المركز معدة ومطورة بالتعاون مع كبرى الشركات الأسترالية المتخصصة في مجالات التعليم الفني والمهني، مشيرا إلى أنهم لا يفكرون فقط في طرح برامج على مستوى شهادة الثانوية بل هناك دراسة جادة لطرح برنامج للدبلوم المهني لما بعد الثانوية.
وأشار إلى أن المركز تأسس منذ ثلاث سنوات فقط، ولتعريف الطلبة به والوصول للمستهدفين منهم يتم تنظيم حملات إعلامية وأخرى تعريفية من خلال المشاركة في المعارض والفعاليات المختلفة، بالإضافة إلى وجود تنسيق بين المركز وعدد من الجهات منها وزارة التربية والتعليم ، فهناك قاعدة بيانات يتم جمعها من خلال هذا التعاون مع التربية لمعرفة الطلبة المتسربين والمنقطعين عن الدراسة ومحاولة الوصول إليهم.
ابوظبي: لبنى أنور


