جمهور دمشق كان على موعد مختلف مع التشكيل هذه المرة، ولكن بتوقيع سلفادور دالي ( 1904 ـ 1989 )، حيث انطلق في صالة تجليات للفن التشكيلي في دمشق معرض حفر للفنان العالمي الراحل سلفادور دالي.
وذلك بمناسبة عيد ميلاده الذي صادف يوم 11 مايو ا الماضي ولمدة أسبوعين عرضت فيه أعمالا أصلية ومشغولة بتقنية الطباعة الحريرية وموقعة باسم دالي، لوحات حملت الكثير من الدهشة كانت على وجوه مرتادي المعرض، الذي لم يكن مزدحماً فحسب، بل كان مختلفاً، فهي المرة الأولى التي يشاهد فيها جمهور دمشق معرضاً بهذا الحجم لفنان كبير ترك بصمة واضحة في الفن الحديث.
المجموعة المعروضة في الصالة تحمل عنوان (الكوميديا الإلهية) للشاعر الإيطالي دانتي أليغيري ( 1265 ـ 1321 )، وهي مقسمة إلى ثلاثة أجزاء (المطهر والجنة والجحيم)، حيث يصل عدد اللوحات المعروضة إلى حوالي 73 لوحة من أصل 99 لوحة تملكها الصالة لدالي. وقد قامت الصالة بشراء اللوحات وفق عقود وشهادات تثبت ملكيتها لها، وتحمل اللوحات رقم الطبعة 55.
بداية يصعب تقبل الأعمال السريالية مقارنة بغيرها من الأعمال الفنية، لكن عند الإمعان في اللوحات يجد المرء سخرية واضحة وسلاسة في اللوحة ما يجعل فهمها أسهل . وكما هو معروف أن الفنان سلفادور دالي اسباني ومن أشهر رسامي القرن العشرين، يعرف بأعماله السريالية المميّزة بصورها الغريبة الشبيهة بالأحلام، وهو مذهب فرنسي حديث في الفن والأدب يهدف إلى التعبير عن العقل الباطن بصورة يعوزها النظام والمنطق.
أكمل عمله الأشهر(إصرار الذاكرة) في عام 1931، وتضمّنت ذخيرته الفنية بالإضافة إلى الرسم الأفلام والنحت، كما عمل في فيلم الرسوم المتحركة القصير الفائز بجائزة أكاديمية دستينو والذي تعاون فيه مع والت ديزني.
محفورات دالي عن (الكوميديا الإلهية) لدانتي أليغييري يملكها مقتن سوري (لم يعلن عن اسمه) قبل نحو 25 عاماً وبعد محاولات عديدة من أصحاب صالة تجليات بعرضها حتى من دون تداولها بيعاً تخلى عن مجموعته المؤلفة من مئة لوحة مطبوعة ( ليتوغرافيا)، مقابل بيع الواحدة منها بـ 3000 دولار أميركي.
رغم أن دالي لم يكن يوماً حفاراً، بل أنجز جُلَّ أعماله بتقنية الرسم المائي في (الكوميديا الإلهية)، وقامت مؤسسةٌ فنية بنقل أعماله تحت إشرافه إلى قالب حفر كُسِر بعد طبع مئة نسخة، وقّع عليها دالي بنفسه.
لوحات (الكوميديا الإلهية) عبارة عن ساحل أو أرض صحراوية، ومن الأرض تنبثق أشياء ليست متجانسة، ورؤى مخيفة، وإشارات موحية، بخطوط تلقائية تعتمد على سلسلة ظواهر غير منطقية ذات ألوان مفعمة بالحياة تبدو كأنها طُبِعت الآن، وهي تضيف بعداً إضافياً إلى ما يُعرَف من تجربة دالي أمام زائري المعرض، وتقنية الحفر على الخشب لم تمنع من تأمُّل الأعمال والاستمتاع بفحواها التكوينية، على رغم لَبْسٍ وقع فيه الكثير من المارّين بالمعرض حول حقيقة نسبة اللوحات إلى الفنان.
كل لوحة تقابل قصيدة من القصائد الـ 99 لدانتي المكتوبة على شكل ثلاثيات تخيلت القصاص في الجحيم والثواب في الفردوس وحالات الحزن الصامت في المطهر، إلا أن المتلقي أمام أعمال دالي يجد عوالم العقل الباطن ودواخل النفس البشرية كما عاشها الفنان في لحظات الألم ولحظات الصفاء والتأمل.
وكان لافتاً أن اليوم الأول للمعرض شهد بيع نحو 12 عملاً، فكما هو معروف أن لوحات الحفر عادة لا تكون أسعارها مرتفعة وهي متقاربة في كل العالم ومعروفة، لأنها نسخة أصلية من عدد محدود من النسخ.
دمشق ـ رباب محمد
