بنيت العلاقة بين الإنسان والبيئة عبر آلاف السنين، وفيها نوع من التوافق والانسجام، حيث إن الإنسان لا يستهلك من الموارد إلا ما يحتاجه من الطبيعية، كما أن سيطرة الإنسان سابقاً على الطبيعة لم تكن قوية، بل على العكس تماماً كانت سيطرة الطبيعة ذات تأثير نفسي وحياتي كبيرين على الإنسان.

وهذا ما أكدته أساطير الحضارات القديمة، إلا أن هذا التوافق والانسجام بين البيئة والإنسان تحول إلى تعايش سلبي وغير متوازن، وذلك منذ بداية الثورة الصناعية واكتشاف النفط، لغاية ذروة النمو في النصف الثاني من القرن العشرين.

للحديث أكثر عن التوازن بين الطبيعية ومتطلبات الإنسان التقت «البيان» الدكتورة طرفة الشرياني رئيسة قسم البيئة والموارد الطبيعة في المركز الإحصاء بأبوظبي وقالت:

ظهرت حديثاً العديد من المصطلحات البيئية الحديثة، ومنها التنمية المستدامة التي تعنى بإيجاد متطلبات الإنسان في الوقت الحاضر، دون إلحاق الإضرار بحق ومصير الأجيال المقبلة في توفير احتياجاتها الخاصة، كما أنها تعنى بالمحافظة على أساسات الطبيعة، لأهداف التنمية والنمو في المستقبل.

وأول من طرح مفهوم التنمية المستدامة هو رئيس وزراء النرويج غرو بروندتلاند في 1983، ومن هنا جاءت فكرة الاستدامة البيئية، بهدف الحد من التدهور البيئي والوقوف دون استنزاف المزيد من الموارد الطبيعية، لذا فإن سياسة الترشيد الاقتصادي، وتحسين الاستخدام للموارد الطبيعية الثمينة كالماء، والمصادر المستهلكة مثل الغزو النفطي، هما النتيجة الاقتصادية المترتبة بشكل تلقائي على استثمار الموارد والمحافظة على استخدام البيئة الطبيعية.

النمو الاقتصادي وعقبة الحفاظ على البيئة

بينت الشرياني أن النمو المتزايد للنشاط الاقتصادي، وأسلوب الإنتاج المتبع في الدول المتقدمة، وسعي الدول النامية لتقليد تجربة الدول الصناعية والعمل على تحقيق التنمية المطلوبة، ودخول العديد من الاستثمارات الخارجية إلى الدول النامية والمنقولة من دولة المنشأ.

بسبب الضغوط البيئية، بالإضافة إلى النمو السكاني المتسارع، هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى عاجز الطبيعة عن القيام بعمليات التجديد الحيوية للموارد الطبيعية فيها، كما أدت إلى خلق ارتفاع درجات الحرارة، وحدوث تغيرات فجائية وسريعة في المناخ، إضافة إلى أنها تعمل على توسيع فتحة طبقة الأوزون وتدمير الغابات المطيرة والتصحر وتسميم المياه.

وأضافت الشرياني أن التطورات البيئية السابقة تحتم علينا التمهل في توسيع النشاط الاقتصادي والصناعي العالمي، إلى درجة تتناسب مع احتياجات الحفاظ على البيئة، ما يتيح المجال للطبيعة أن تحاول إعادة عمليات التجديد والحيوية وإصلاح ما أفسدته اليد البشرية، وتسمح للإنسان أن يتصالح مع البيئة المحيطة به في سبيل المحافظة على حق الأجيال القادمة.

كما أن اتباع نظام التباطؤ ضرب من الخيال في ظل النظام الاقتصادي العالمي، والأهداف المنشودة منه، حيث إن أي تباطؤ في النظام الاقتصادي والصناعي، يؤثر سلباً في المجال والربح المادي، وهو حل غير منطقي وغير قابل للتحقيق، في ظل النمو والتطور التكنولوجي، ومسيرة النشاط الاقتصادي، ونمط معيشة المستحدث الذي يشهده الإنسان في الوقت الحاضر، وبالإضافة إلى أن النمو الهائل وتزايد عدد سكان على الأرض يلعب دوراً كبيراً في التوازن الطبيعي.

وأكدت الشرياني أنه نتج عن التطورات البيئية خلال السنوات العشرين الماضية، وجود فرع جديد من فروع العلوم الاقتصادية، وهو علم اقتصاد البيئة ويهتم بمعرفة المقاييس البيئية ومختلف الجوانب النظرية والتحليلية والمحاسبية للحياة الاقتصادية، ويهدف إلى المحافظة على توازنات بيئية تضمن نمواً مستديماً، وبمقارنة المفهوم البيئي الاقتصادي مع المفهوم التقليدي للاقتصاد.

والذي يعرّف على أنه العلم الذي يعمل على إشباع الحاجات الإنسانية بأقل كلفة ممكنة في الاستخدام أو البحث عن الأمثل للموارد المادية والبشرية بهدف تحقيق أكبر ربح مادي ممكن، نجد أن المفهوم التقليدي للاقتصاد بعيد كل البعد عن المفهوم الاقتصادي البيئي، لأنه بدأ في التغير ولم يعد متناسباً مع متطلبات تطور النشاط الاقتصادي ومتطلبات التنمية المستدامة والضغوط البيئية.

موقف الدول المتقدمة من التنمية المستدامة

وأوضحت الشرياني، أن العديد من الدول المتقدمة روجت لمصطلح التنمية المستدامة في مؤتمراتها ومنشوراتها، لكنها لم تنجح في تحقيق وتغيير النمط المتبع للتنمية، فالهروب بالتنمية المستدامة نحو الاهتمام البيئي على حساب النمو الاقتصادي، هو من الأولويات البيئية الخاصة بالدول الصناعية المتطورة.

وهذا هو مصدر قلق البلدان النامية، لأنها هي الدول الوحيدة المتضررة من جراء هذا النشاط الصناعي، كما أن أولويات التنمية المستدامة تختلف بين الدول الصناعية والدول النامية، فالأولى تتمثل التنمية المستدامة لديها في ارتفاع درجات حرارة الأرض «الاحتباس الحراري»، أما أولويات التنمية المستدامة بالنسبة إلى الدول النامية فتتمثل في البطالة والفقر المدقع وتأمين الموارد الأساسية لعملية التنمية.

مشيرة إلى أن العديد من المؤتمرات فشلت، ومنها مشروع التنمية المستدامة على الصعيد العالمي وخاصة خلال السنوات 15 الماضية، ومنها الذي عقد في البرازيل، فقد حضر المؤتمر 176 دولة و1400 منظمة غير حكومية، وممثلو الدول والحكومات والمجتمعات المدنية والاقتصادية.

وحقق المؤتمر سبعة انجازات رئيسة، منها إعلان ريو حول البيئة والتنمية، والاتفاق على 21 صيغة شبه نهائية حول البيئة والتنمية في القرن الحادي والعشرين، من أهمها أربعة محاور، وهي القضايا الاجتماعية والاقتصادية مثل التعاون الدولي في الإسراع بتنفيذ مستلزمات التنمية المستدامة.

ومكافحة الفقر وتغيير أنماط الاستهلاك والتزايد السكاني والاستدامة، والمحافظة صحة الإنسان، وحماية الموارد وإدارتها للأغراض التنموية، مثل حماية الغلاف الجوي ومكافحة التصحر والجفاف، وتعزيز التنمية الريفية والزراعية المستدامة، والمحافظة على التنوع البيولوجي وحماية موارد المياه العذبة والمحيطات، والإدارة السليمة للكيماويات السامة والنفايات الخطرة.

أما المحور الثالث فهو دعم المرأة والشباب والأطفال والمنظمات غير الحكومية، ومبادرات السلطات المحلية والعمال، وقطاع الصناعة والأعمال، والمجتمعات العلمية والتقنية والزراعية، أما المحور الرابع والأخير فركز على توفير وسائل التنفيذ بما في ذلك الآليات والموارد المالية ونقل التقنية السليمة بيئياً وتطوير التعليم والتوعية والتدريب الشعبي، والترتيبات المؤسسية الدولية، والآليات والأدوات القانونية الدولية.

ولفتت الشرياني إلى أن مؤتمر البرازيل أكد كذلك اثنين من المعاهدات الدولية الرئيسة، وهما معاهدة الأمم المتحدة الإطارية حول تغير المناخ، والتنوع البيولوجي، بالإضافة إلى إنشاء مفوضية التنمية المستدامة، والاتفاق على مناقشة معاهدة عالمية لمكافحة التصحر.

وإعلان المبادئ حول إدارة الغابات المستدامة، جاءت قمة ريو على مبادئ مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة الإنسانية قمة ستوكهولم 1972 والتي ركزت على الإنسان جاعلة من الإنسان محوراً لاهتمامات التنمية المستدامة.

ونجحت قمة الأرض في التوصل إلى اتفاق عالمي ورصد 625 مليون دولار في العام لصيانة البيئة وتحقيق الأهداف المتفق عليها في الأجندة /21/، بالإضافة إلى تقديم الدول النامية 500 مليار دولار سنوياً مقابل 125 مليار دولار تقدمها الدول الصناعية.

وقالت إنه مما سبق نصل إلى نتيجة، وهي أن التنمية المستدامة ولدت في إطار الاهتمام بحماية البيئة وصيانتها والحيلولة دون تدهورها والطموح لتقاسمها بين الأجيال الحاضرة والأجيال المستقبلية، إلا أن هذا لا يعني إهمال الجوانب الأخرى للتنمية المستدامة أي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ونال الركن الاقتصادي للتنمية المستدامة أهمية اكبر بالنسبة للدول النامية، خاصة في المرحلة التي تلت استرداد السيادة الوطنية والقانونية على الموارد الطبيعية، فدول جنوب شرق آسيا مثلاً تركت حماية البيئة وصيانتها وتحقيق استدامتها إلى المرحلة التي تلي تحقيق الارتقاء التكنولوجي والصناعي والاقتصادي، وتحسين الدخل القومي والفردي.