يحتل شارع الخردة حيزاً كبيراً من المنطقة الصناعية في مدينة مايابوري الهندية، فعلى امتداد كيلومترات عديدة يمكن للزائر أن يرى مئات المحلات التي تبيع الخردة بجميع أنواعها، ويمكنه أن يعاين أطناناً من أنابيب الحديد الصدئة، والقطع والأسلاك النحاسية والمعادن الأخرى. صحيح أن تلك المعادن تعد بالكثير من الأرباح للمتاجرين بها، لكنها مليئة أيضاً بالإشعاعات الضارة.
لهذا لم يكن مستغرباً، عندما حدثت الكارثة ذات يوم في أحد المحلات التي يملكها «ديباك جين» في الشارع ذاته، والسبب في ذلك هو أن قطعاً من المعدن موجودة في محله تسببت في انتشار إشعاعات مضرة، وصفها أحد الخبراء بأنها من أكثر الإشعاعات ضرراً.
ديباك جين، صاحب محل الخردة في مايابوري، أصابه المرض، وظن أقاربه أن المرض عادي، خاصة أنه ابتدأ بحالة عادية من الإسهال، لكنه سرعان ما تطور إلى بقع جلدية داكنة انتشرت على الذراعين والوجه، وتحول لسانه وأظافره إلى اللون الأزرق.
والشيء ذاته حدث لستة آخرين ممن يترددون على المحل، ما أثار حالة من القلق في الأوساط الشعبية هناك، وبعدها اضطرت الشرطة لفرض طوق أمني حول البرلمان، ضمن دائرة يبلغ قطرها 16 كيلومتراً مربعاً، لأن جموعاً غاضبة من الناس بدأت في المطالبة بفتح ملف الخردة، والتحقيق في مسألتها.
تستورد الهند الخردة من أوروبا وروسيا واليابان والولايات المتحدة، شأن دول نامية أخرى، مثل الصين، وتهدف تلك البلدان إلى تغطية احتياجات أسواقها المحلية من الصلب والمعادن الأخرى، وكذلك جني أرباح من تلك التجارة التي لا تبدو شفافة على الإطلاق، فأجهزة الكمبيوتر المستعملة، مثلاً، تسبب أمراضاً مزمنة للعاملين في مستودعات وكراجات خردة تلك الأجهزة، لما تحويه من مواد سامة، كما أنها تسبب أضراراً للبيئة.
إقبال البلدان النامية، مثل الهند، على شراء المعادن المستعملة لتغطية حاجاتها المحلية من الصلب، وما رافقه من غياب الرقابة هناك، وعدم توافر نظام معايير دولي دقيق لتلك المواد أدى إلى عبور المواد المشعة والخطرة الحدود.
وتعاني الهند أكثر من غيرها من مشكلات الخردة، فقبل أربع سنوات، لقي 10 عمال يعملون في مسبك معادن حتفهم، بعد أن انفجرت بهم قنابل كانت مخبأة في حاوية الخردة، التي تم استيرادها.
بالمقابل فقد تم إيقاف شحنة من الصلب الهندي في ميناء أوروبي، بعد اكتشاف مستويات عالية من الإشعاع فيها، وتبين لاحقاً أن المسابك الهندية قد زيفت الصلب، بإضافة معدن مستعمل مصهور ملوث بالكوبالت 60 إليه، وهو العنصر نفسه الذي كان سبباً في دخول الأشخاص السبعة في مدينة مايابوري المستشفى، ويستخدم الكوبالت 60 في الآلات، التي تقيس مستوى الإشعاع في الأطعمة، وأجهزة علاج السرطان بالأشعة.
المسؤولون في الحكومة الهندية يدافعون عن أنفسهم بالقول إن استيراد الهند للخردة يتم وفق معايير علمية، لكنهم يقرون، في الوقت ذاته، بأنه لا يوجد تطبيق فعال لتلك المعايير على أرض الواقع، كما أن المطارات والموانئ الهندية غير مزودة بأجهزة لكشف نسب إشعاعات مواد الخردة المستوردة والصادرة.
ويشير المنتقدون للحكومة بأصبع الاتهام إلى سياسات الحكومة، التي تتساهل في استيراد الخردة دون رقيب لحاجة الأسواق الهندية إلى الصلب الخام، كما أنه يدر الكثير من الأرباح على التجار المحليين.
«ديدير لوفات» خبير النفايات في الوكالة الدولية للطاقة الدولية ذكر أن حادثة الإشعاع في مايابوري تعتبر أسوأ حالة تعرض للإشعاعات منذ عام 2006، وقال إن تقرير الوكالة للعام الماضي كشف عن 196 حادثة إشعاعية نووية أو معدنية مقارنة ب140 حالة في عام 2007.
العديد من الدول، بما فيها الهند، لديها قوانين للسيطرة على المواد المشعة وتسجيلها، غير أن غياب معيار دولي تسبب في وجود ثغرات في تلك القوانين، أمكن للبعض استغلالها لتحقيق مصالح مادية.
يوسف جباعته
