كثر الحديث في السنوات القليلة الماضية عن أخطار القراصنة المحترفين الذين يخترقون أجهزة الكمبيوتر عن بعد لسرقة معلوماتك الشخصية أو لتجنيد جهازك لشن هجمات فيروسية دون علماً منك أو لمجرد التخريب، وهو أمر يثير هواجس جميع مستخدمي الكمبيوتر الشخصي.

لكن ماذا لو تمكن هؤلاء «الهاكرز» من اختراق الأنظمة الإلكترونية الذكية لسيارتك والسيطرة عليها بينما أنت تقودها؟ قد يبدو هذا كأنه مشهد من فيلم إثارة أميركي، لكنه في الواقع خطر حقيقي، ويمكن أن يحدث في أي وقت. فلقد استطاع فريق من الباحثين الأمنيين اختراق أنظمة التحكم في فئة كاملة من السيارات، وتمكنوا من تعطيل عمل المكابح وإيقاف المحرك أثناء سير المركبة.

ولحسن الحظ أن عملية الاختراق صعبة من الناحية التقنية، ومخاطرها على السائقين لا تزال محدودة حتى الآن. لكن تجربة الاختراق الناجحة التي قام بها الباحثون بقيادة تادايوشي كونو في جامعة واشنطن وستيفاني سافيج في جامعة كاليفورنيا، كشفت عن تفاصيل مكامن الثغرات الأمنية في أنظمة السيارات الحديثة من أجل حضّ الشركات المصنعة على تعزيز تدابير الحماية الأمنية في سيارات المستقبل.

تحسباً لجيل جديد من الهاكرز الذي يسعون بكل الوسائل المتاحة لهم لاختراق أي شيء يمكن اختراقه من أجهزة الكمبيوتر الشخصية والهواتف المتحركة إلى شبكات المرافق العامة والوزارات الحكومية، وحتى شبكة البنتاغون نفسه لم تسلم منهم.

وتساعد أجهزة الكمبيوتر في التحكم بالعديد من الأنظمة في المركبات الحديثة، من أنظمة المكابح المانعة للانغلاق أو بما يعرف باسم «ايه بي إس» إلى توقيت عملية الاحتراق في المحرك.

ولكل نظام شريحة تحكم حاسوبية خاصة به، موصولة بشبكة شاملة يمكن لعمال الصيانة الميكانيكية الوصول إليها عن طريق مأخذ خاص موجود تحت لوحة أجهزة القياس داخل السيارة.

ولقد قام الباحثون في فريقي كل من كونو وسافيج بإجراء تجربة الاختراق على سيارتين من موديل 2009 من نفس الطراز، لكنهم رفضوا الكشف عن نوعهما. وفي ورقة البحث التي قدمت أخيراً خلال ندوة أقامها المعهد العالمي لمهندس الأنظمة الكهربائية والإلكترونية حول موضوع الأمن.

وحماية الخصوصية الفردية في أوكلاند بولاية كاليفورنيا الأميركية، قدم الباحثون وصفاً تفصيلياً لكيفية قيامهم بوصل جهاز كمبيوتر محمول بمأخذ التحكم واستخدامهم لبرنامج حاسوبي يدعى «كارشارك» لإرسال إشارات إلى شبكة الأنظمة الذكية في السيارة المستهدفة.

واستطاع الباحثون فك شيفرة اللغة التي تستخدمها أنظمة التحكم في السيارة عن طريق إرسال أوامر عشوائية ومراقبة تأثير كل منها على وظائف المركبة.

وفي الاختبارات التي أجريت في حقل جوي قديم بولاية واشنطن، نجح الخبراء في استخدام جهاز كمبيوتر موصول بشبكة التحكم لإيقاف المحرك بشكل كامل وتعطيل عمل المكابح بينما كانت السيارة تتحرك بسرعة 65 كيلومترا بالساعة. كما تمكنوا من التحكم بإقفال المكابح بشكل فوري.

ومن البديهي أن أي سائق سيلاحظ وجود كمبيوتر محمول موصول بشبكة التحكم بأنظمة سيارته وبالتالي فمن غير الممكن عملياً اختراق نظام سيارته بهذه الطريقة. لكن من الممكن تحقيق نفس النتائج عن طريق استخدام جهاز صغير يمكن إخفاؤه بسهولة في السيارة والتحكم به عن بعد.

والأدهى من ذلك أنه يمكن التحكم بأنظمة السيارة عن طريق استخدام الإشارات اللاسلكية وتشغيلها عن طريق الإنترنت، كما يقول الباحثون الذين رفضوا الكشف عن مزيد من التفاصيل بخصوص هذه الجزئية بالتحديد، خشية استغلالها من قبل القراصنة.

وفي حين أن مجرد احتمال وقوع مثل هذه الهجمات يبدو مثيراً للرعب، فإن الأمر ليس سهلاً ويتطلب مستوى عالياً من المعرفة والمهارات التقنية. ولقد سبق أن اكتشف هواة تعديل السيارات كيفية التحكم بالعديد من أنظمة التحكم الذي ركز عليها الباحثون في تجاربهم ـ لكن إلى الآن لم يحاول أحد استخدام تلك المعلومات لغايات شريرة، ويقول الخبراء أنه لم تسجل حتى الآن أية هجمات اختراق تستهدف أنظمة السيارات غير تلك التي أجريت في التجربة.

ويقول سافيج إن موقف صناعة السيارات حيال أمن أنظمة التحكم الذكية الموجودة في السيارة شبيه بموقف صناعة الكمبيوتر قبل الإنترنت التي عرّضت أجهز الكمبيوتر لهجمات من أشكال متعددة وكشفت عن الكثير من الثغرات ونقاط الضعف في تصميم الأنظمة الحاسوبية.

ويوضح أن صناعة السيارات لم تضطر إلى الآن التعامل مع أية مشاكل أمنية من هذا النوع، ولذلك فإن دفاعاتها ليس قوية كما ينبغي. لكن لا بد في النهاية من توحيد جهود صناعة السيارات وواضعي الأنظمة التشريعية في هذا المجال من أجل التوصل إلى إجماع حول كيفية حماية السيارات من هجمات القرصنة قبل أن تبدأ مثل هذه الهجمات.