ضمن جهود القوى العظمى المتواصلة لغزو الفضاء الخارجي، يسعى الأميركيون منذ فترة لإقامة قواعد بشرية متقدمة في كواكب أخرى بمجموعتنا الشمسية، مع التركيز بشكل خاص على كوكب المريخ.
ومن مركز كنيدي الفضائي أعلن الرئيس أوباما في 15 أبريل الماضي عن نية الولايات المتحدة إرسال البشر إلى المريخ بحلول أوساط 2030. وإذا سارت الأمور على ما يرام، كما هو مخطط لها، فإن وكالة ناسا ستطلق مرحلة جديدة في برامج استكشاف الفضاء لم يسبق لها مثيل منذ برنامج أبولو لاستكشاف القمر في الستينيات من القرن الأخير.
وإذا كأن بناء مستعمرات بشرية على المريخ هدفاً للمدى البعيد، فإن هذا لم يمنع العلماء من البدء منذ الآن في التخطيط للحديقة التي ستمد الإنسان بأسباب الحياة على سطح الكوكب الأحمر.
فتوفير الظروف لبقاء الإنسان فترات طويلة على المريخ يعتبر تحدياً أكبر حتى من مهمة إيصاله إلى هناك. لكن التجارب التي أجريت حتى الآن في الفضاء الخارجي وفي مواقع أرضية تحاكي بيئة المريخ قد أثمرت باكتشاف كائنات حية دقيقة من شأنها، في نهاية المطاف، تحويل الصخور المريخية إلى تربة صالحة للزراعة وتوليد الأكسجين لكي يتنفسه الرواد البشر وتنقية الماء وإعادة تدوير الفضلات البشرية.
وستكون هذه المستعمرات الميكروبية بمثابة الحدائق الأولى على سطح المريخ. كارين أولسون فرانسيس، في معهد أبحاث علوم الكواكب والفضاء في الجامعة المفتوحة في ميلتون كاينز ببريطأنيا، تعمل مع فريق يقوم بتعريض الكائنات الأرضية إلى ظروف قاسية في الفضاء الخارجي.
ولقد قام الفريق بإجراء تجارب على متن محطة الفضاء الدولية وتجارب أخرى كجزء من مهمة «بيوبان 6» التي تديرها وكالة الفضاء الأوروبية.
وكانت «بيوبان»عبارة عن كبسولة فضائية محملة بعينات كثيرة، من ضمنها عينات لصخور مأخوذة من الجروف البحرية في منطقة «بير» على الساحل الجنوبي الغربي لأنجلترا. ولقد أطلقت الكبسولة على متن صاروخ من طراز «سيوز» إلى المدار الأدنى للأرض في 2007، حيث تم بعد ذلك تعريض العينات الموجودة في الكبسولة إلى خواء الفضاء الخارجي، لمعرفة درجة تحملها لمثل تلك الظروف.
وتأوي صخور «بير» طيفاً عريضاً من أنواع الميكروبات، بما في ذلك الطحالب الزرقاء المخضرة (سيانوباكتيريا) التي تقوم بعملية التخليق الضوئي.
وعند استعادة عينات كبسولة بيوبان، كانت قد تحمّلت 10 أيام من التعرض للظروف الفضائية، باستثناء الأشعة فوق البنفسجية التي تمت فلترة معظمها.
واكتشف الفريق نوعاً جديداً من السيانوباكتيريا استطاع تحمل تلك التجربة دون أن يتأثر. ومعروف أن المستويات العالية من الأشعة البنفسجية على المريخ كفيلة بقتل أي شكل للحياة على السطح، ولذلك ستكون الحدائق الفضائية المبنية هناك بحاجة إلى بيوت زجاجية لحمايتها من تلك الأشعة الفتاكة.
وتقول فرانسيس في حديث مع مجلة نيو ساينتست»: «لقد أظهرت التجارب أن بوسعنا استخدام مدار الأرض الأدنى لأنتقاء الكائنات الدقيقة المقاومة التي يمكن استخدامها في التطبيقات الفضائية».
وتقوم الطحالب الزرقاء المخضرة أو السيانوبكتيريا بعملية التمثيل الضوئي، ولذلك فهي تعتبر مرشحة جيدة للاستخدام في المهام الفضائية طويلة الأجل أو المستعمرات البشرية على المريخ. وذلك لأن المستعمرين سيكونون بحاجة إلى كائنات دقيقة «منتجة»، قادرة على استخدام طاقة أشعة الشمس مباشرة لكي تنمو.
ولهذا السبب، تمثل السيانوبكتيريا الآن جزءاً من نظام إعادة تدوير مستقل بذاته يتم تصميمه في وكالة الفضاء الأوروبية. ويقوم هذا النظام الذي يسمى «مليسا»، اختصاراً لعبارة «البديل الميكروإيكولوجي لنظام دعم الحياة»، بإعادة تدوير الفضلات البشرية لإنتاج الماء والأكسجين ومواد مغذية أخرى يمكن لمستعمري المريخ استخدامها.
وتستخدم الطحالب الزرقاء المخضرة هذه لصنع مستحضر غذائي مكمّل غني بالبروتين يدعى «سبيرولينا»، والذي ورد ذكره في قائمة من عشرة محاصيل رشحتها وكالة الفضاء الأوروبية للاستنبات على سطح المريخ.والطبع فإن أياً من هذه التجارب لا يعني أن العلم أصبح جاهزاً للبدء في زراعة المريخ، على الأقل في المستقبل القريب.
لكن هذه الجهود متجمعة، تشكل العناصر الأساسية الأولى لتجهيز أول بعثة فضائية بشرية إلى المريخ، والتي ستكون أول مهمة لها هناك أنشاء حديقة داخل بيت زجاجي مضغوط تعيش فيها كائنات دقيقة مهمتها توفير الأكسجين والغذاء وتحويل الصخور المريخية إلى تربة خصبة.
خيار جيد
بالمقارنة مع غيره من المواقع غير الأرضية، لا يبدو المريخ خيارا سيئاً لاستنبات الحدائق الفضائية. ففي المناطق الواقعة عند خط الاستواء المريخي في منتصف الصيف، يمكن أن تصل الحرارة إلى 20 درجة مئوية، كما يشكل ثأني أكسيد الكربون نسبة 95 بالمئة من الغلاف الجوي للكوكب الأحمر، وهي ظروف ملائمة جداً لبتكيريا التمثيل الضوئي.
لكن المريخ يفتقر لعنصر أساسي للحدائق: وهو التربة.وللتغلب على هذه المشكلة يحتاج العلماء إلى طريقة لتحويل صخور البازلت البركانية التي تمثل الجزء الأكبر من السطح المريخي إلى شكل مختلف كلياً يدعم نمو النبات. والحل هنا ربما يأتي من البكتيريا آكلة البازلت.
كما يشير بول ويلكنسون، أيضاً من الجامعة المفتوحة، والذي يبحث داخل صخور البازلت الأيسلندية عن كائنات دقيقة قادرة على البقاء على قيد الحياة عندما تتغذى فقط على الصخور المريخية. لكن الكائنات الأكثر كفاءة في معالجة الصخور هي، كما يقول ويلكنسون، طحالب الأشنيات التي نجحت هي الأخرى في اجتياز تجربة كبسولة «بيوبان» الفضائية.
إعداد - علي محمد
