تسع عشرة قصيدة كلاسيكية هي عدد ما ضمنه الشاعر والباحث الاماراتي احمد محمد عبيد في ديوانه الصادر حديثا تحت عنوان (نوار)، وهي إبحار مرهف على وسادة من مفردات الشجن في زورق الحب، 19 قصيدة تبدو لمتصفح الديوان انها قصيدة واحدة متعددة العناوين ومتغيرة القوافي، تبدو في نسقها الواحد وكأنها صوت واحد ونبض واحد تماهت فيها الشاعرية على ضفاف الروح مع من تحب وما تهوى؛ غزل عفيف وصور شعرية حالمة ورقيقة كأنها من جداول أنهار وربوع خضراء، مفعمة بالامل وبالحب، بوح وجداني متصالح مع الجمال وأشياء كثيرة في هذا السياق.
يتنقل الشاعر احمد محمد عبيد في ديوانه (نوار) من عنوان إلى الآخر، ومن قصيدة إلى الأخرى، متشبثا بجماليات كلاسيكية وكأنه لا يريد لها ان تنفرط من يديه، يتجلى فيها السبك، وتحضر فيها المفردة دون تكلف، وتناسب حولها الشاعرية في صفا واتساق وتناغم. لا تكلف..ليبدو ديوان (نوار)، وكأنه حالة استرخاء وغناء امام نهر الحياة الجميل، ويبدو الشاعر وكأنه يلبس عدسات خاصة ليرى الحياة وما حوله، بما فيها من فرح وحزن، وكأنها في ميزان واحد، هو ميزان هذا الانسان العابر على حديقة الحياة؛ يرصد فيها ابتسامات العابرين، وكذلك غبنهم، لكنه يضع مسافة المتأمل بينه وبينها، ليترك الصفاء لشعره لكي يتقمص روح هذا الانسان المسافر عبرها..
حديث، شهرزاد، خلجات، بقايا، اقبلي، عابرون، اللاعبون بقلوبنا، على باب الحنين، بعد الرحيل، ضياع، كلها عنواين قصائد تبدو صادمة وتبدو كأبواب تفتح على هم مثقل بالألم، وهي كذلك، لكن احمد محمد عبيد يبدو فيها عازفا هادئا، لا يود تصوير الجراح الغائرة كما هي في واقعها، وإنما ينقلها عبر صورة شعرية ومفردة هادئة الى وضع التأمل.
وكأن صورة الجرح في لوحته هي صورة تفتح على دلالات تتصالح مع متلقيها، وكأنه لا يريد لها الايذاء، ولا يريدنا كقراء ان نقع فريسة المنظر الدامي، وهكذا يفعل سحر الشعر؛ الشعر القادر على الغناء حتى وهو أمام باب الجحيم. هو شعر غناء، وقصائد يغنيها ناي شاعر عابر على صور الحياة وواقعها..
يقول احمد محمد عبيد في قصيدته (وهج):
أرى وهج الحقيقة في انبهاري
بما أوقدت من حطبي وناري
وما أسرجت من حرف بليل
ليكتبني على وضح النهار
أسوق إلى الحقائق مهر شوقي
وترجعني القلائص بانكسار
فأصمت علني أجتاح ارضي
ولكن لا سبيل إلى خياري
على وهج الحروف قرأت وجدي
بما للروح من شوق مثار..
وفي قصيدته (نوار) يقول احمد عبيد:
نوار يا حرفاً يضيء حواري
للروح حين تقاربين مداري
يا زهرة ترك الربيع تويجها
خضلاً على الكلمات من أشعاري
اذ تهمسين تعود رعشة خافق
في القلب بين مدائني ودياري..
الشاعر احمد محمد عبيد واحد من جيل الشعراء الاماراتيين الذين ابقوا على شعلة قصيدة الفصحى الكلاسيكية موقدة، دافعوا عنها واستبسلوا من اجلها، جاء من الساحل الشرقي من دبا، لكنه انتحى جانبا عن زملائه الشعراء الذين ولدت تجاربهم الاولى باتجاه القصيدة الحرة الجديدة، على الرغم من انه جاورهم، بل تواجد في حديقتهم، لكنه بقي متأثراً بكلاسيكيات الشعر العربي، ملازماً للإرث الشعري العربي العظيم، قريب من معلقاته الاصيلة، وهو ايضا شاعر نشط له مجموعات شعرية عديدة، متفاعل، دائم الانتاج.
وكما هو كذلك يقدم نفسه في الساحة الثقافية الاماراتية كواحد من المهمومين بقضايا البحث، أصدر عدداً كبيراً من الكتب قياساً بالمعدل الذي سار عليه رفقاؤه، فقد تجاوزت مؤلفاته وكتبه الاربعين كتاباً؛ بين الشعر والدراسات والبحوث، وهو مهتم بالتراث المحلي، ولديه انشغال بحصر النتاج والعطاء الإبداعي.
دبي - مرعي الحليان

