لم تعد مشاريع الطاقة البديلة غريبة على الإمارات، فهي من أوائل الدول في المنطقة العربية على الأقل التي اهتمت كثيرا في الطاقات البديلة والبنايات الخضراء التي يتوقع الجميع أن تكون المهيمنة في المستقبل، ولذلك فقد عملت الإمارات على إنشاء وتهيئة مدينة «مصدر» بأبوظبي والتي باتت تعتبر أول مدينة خضراء تعتمد على الطاقة البديلة.
وقد مثلت «مصدر» وجهة مهمة لكل من يبحث عن استخدامات الطاقة البديلة، والتي برزت نتيجة لارتفاع نسبة التلوث في العالم، وزيادة الاحتباس الحراري والتغيرات الجوية التي تسبب فيها هذا الاحتباس. الجري وراء إيجاد طاقات بديلة، كان هماً ليس على كاهل الدولة وحسب وإنما على كواهل المهندسين أيضاً، الذين اجتهدوا كثيرا في البحث عن مصادر أخرى لحقبة ما بعد البترول، ومن هؤلاء كان العراقي زيدون سلام عبد المحسن والكوري جون سونك كو اللذان يدرسان الهندسة الكهربائية في جامعة الشارقة. حيث تمكنا من اختراع مشروع كامل يعتمد على الطاقات البديلة، والجديد في هذا المشروع أنه يستمد طاقته من خلال الشمس وحركة الرياح، وبالتالي فلن تؤثر التقلبات الجوية كثيرا على مشروعهما. «البيان» التقت زيدون عبد المحسن والذي تحدث عن مشروع الطاقة البديلة، حيث قال: «مشروعنا يعمل على توليد طاقة كهربائية من الشمس والرياح دون الاعتماد على شبكة الكهرباء الرئيسية التابعة للدولة، وإنما بالاعتماد على شبكته المستقلة، وما يميز مشروعنا أنه صديق للبيئة ولا يوجد له أية انبعاثات كربونية كتلك التي تنبعث من محطات توليد الكهرباء».
إصرار على العرض... أثناء تواجدنا في حرم الجامعة، أصر زيدون على عرض المشروع أمامنا، حيث قام بنصبه تحت أشعة الشمس الحارة التي تمتاز بها الإمارات، حيث قام بوصل بطارية كبيرة الحجم مع دائرة كهربائية مغلقة متصلة بألواح الخلايا الشمسية الموجهة وتوربين هوائي، وبالتجربة استطاعت هذه الخلايا والتوربينات أن تولد الكهرباء التي لاحظناها من خلال عدد من الأضواء الموصولة بالجهاز. يقول زيدون: «هذا الجهاز يعطي نوعين من الطاقة هما «التيار المتردد» و«التيار الثابت» ويمكن الاختيار بينهما، ويمكن لهذا المشروع أن يوفر طاقة بقدرة 230 كيلوواط والتي تعادل الطاقة التي توفرها شركات الكهرباء، وللتأكد من ذلك قمنا بتجربته مع مختلف أنواع الأجهزة مثل التلفاز والثلاجة والأضواء واستطاع أن يشغلها كاملة دون أية مشكلات».
من المعروف أن مثل هذه المشاريع تعتمد بصورة رئيسية على الشمس وقد يهدد غياب الشمس عمل الجهاز، وحول ذلك قال زيدون: «للتخلص من ذلك قمنا بتوصيل الجهاز ببطارية كبيرة الحجم قادرة على تخزين الطاقة في النهار وتوليدها في الليل، حيث يمكن لهذا المشروع أن يولد طاقة بسعة 180 أمبير/ الساعة، وبالتجربة وجدنا أنها تكفي لطوال الليل، ومع بزوغ الشمس يمكن للبطارية إعادة تعويض ما فقدته من طاقته وتخزينها من جديد».
تزاوج بين طاقتين
استطاع مشروع زيدون ورفيقه الكوري الذي صمم بطريقة بسيطة ويقوم حاليا بتشغيل التلفاز والأنوار وثلاجة صغيرة معاً، أن يزاوج بين طاقتين رئيسيتين هما الشمس والرياح، وأن يستفيد من قوة كل واحدة منهما حتى في حالة غياب أي واحدة منهما، وهنا قال زيدون: «ندرك تماما أن الطقس في حالة تقلب دائم بين الفصول الأربعة، ولذلك فلم نعتمد على طاقة الشمس فقط وإنما أضفنا عليها طاقة الرياح التي يمكن لها أن تعمل بشكل جيد خلال فصل الشتاء حيث تكون الشمس شبه غائبة.
وقد توصلنا من خلال دراساتنا إلى أن 80% من طاقة المشروع تعتمد على الشمس و20% على الرياح في منطقة الخليج، في حين أن هذه النسب تتغير في دول أخرى حيث يتغير فيها الطقس، وقمنا بهذه الفكرة لتتماشى مع طبيعة المكان الموجود فيه المشروع». ويضيف: «أثناء إعدادنا للدراسات النظرية قمنا بمتابعة يومية لمسارات الرياح والشمس بالإمارات عبر العديد من المواقع الالكترونية المتخصصة بحالات الطقس، وقد وجدنا أن هذا المشروع سيكون استثمار جيد للمناطق البعيدة والنائية خاصة القريبة من الجبال، حيث سيوفر الكثير من الأموال التي تصرفها الدولة على مد شبكات الكهرباء».
طاقة المستقبل
يرى القائمان على المشروع أن عملهما يساعد على منح أبنائنا حياة أفضل من خلال تنظيف الجو من التلوث، وإذا كانت تكلفة هذه المشاريع حاليا غالية فهي على المدى البعيد ستكون أرخص بالتأكيد نتيجة لتوجه العالم بأكمله نحوها، وقد يسرع الاحتباس الحراري وكميات التلوث الموجودة في الجو هذه العملية مستقبلا». ويشير زيدون إلى انه يعمل حاليا على تطوير مشروعه من خلال تصميم توربينات هوائية أكبر وبتكلفة أرخص، وينوي تجربتها في العاصمة الأردنية عمان، حيث تكثر فيها الجبال ونسبة الرياح خاصة في فصل الشتاء، الأمر الذي سيعطي نتائج أفضل لمثل هذا المشروع.
لقد أثبتت التجارب العديدة قدرة مشروع زيدون ورفيقه الكوري على تشغيل عدد من الأجهزة، وبتطويره يمكن أن يلبي الطاقة الكهربائية التي يحتاجها أي منزل، ولكن في داخل الدولة قد يحتاج إلى عدد اكبر من الخلايا الشمسية وبطارية اكبر للتخزين في حالة تشغيل أجهزة التكييف التي تحتاج إلى كميات عالية من الكهرباء.
وحول ذلك قال زيدون: « جميع الدراسات تشير إلى أن 40% من تكلفة الكهرباء الشهرية تكون نتيجة لاستخدامنا أجهزة التكييف في المنازل، ورغم أننا لم نحاول تجربة هذا المشروع على أجهزة التكييف إلا أننا نتوقع أن باستطاعته توليد طاقة كهربائية قادرة على تشغيل هذه الأجهزة في حالة رفع عدد ألواح الخلايا الشمسية وزيادة عدد التوربينات واستخدام بطارية اكبر للتخزين، لأن أجهزة التكييف تحتاج إلى طاقة كهربائية اكبر من أي جهاز كهربائي أخر».
أثناء عمل الشابين على هذا المشروع قاما بزيارة مدينة «مصدر» في أبوظبي واطلعا فيها على احدث استخدامات الطاقة الشمسية، إلى جانب أنهما قاما بمتابعة العديد من المحاضرات والمؤتمرات التي تناولت الطاقة المستقبلية كمحاولة للاستفادة من الخبرات العالمية في هذا المجال، ويخطط زيدون إلى استكمال دراساته العليا في هذا المجال، لأنه يتوقع بأن يكون العلامة البارزة في المستقبل.
عقبات
مشاريع غالية التكلفة
ما يعيب المشاريع التي تعتمد على الطاقة الشمسية أو الطاقة البديلة بأنها غالية التكلفة، وهو ما يجعلها تحتاج إلى فترة أطول في الانتشار مقارنة بشبكات الكهرباء، ولكن رغم أن تكلفة هذه المشاريع غالية إلا أن الدولة عموماً بدأت بالتوجه نحو الطاقات البديلة والمتجددة ولنا في «مصدر» خير مثال، وكذلك الآمر ينطبق على بقية دول الخليج التي بدأت تضع أقدامها على هذا الطريق عبر العديد من المشاريع المشابهة.
غسان خروب


