لم تكن شخصية فيدور دستويفسكي مؤلف رواية «الجريمة والعقاب» تتسم بأي نزق أو طيش، ومع ذلك أجلت السلطات الروسية افتتاح محطة مترو تحمل اسمه، خشية أن تصبح هذه المحطة، التي تحمل لوحات تعكس أجواء أعماله الأدبية، محط أنظار من يعتزمون الانتحار.

فقد زخرفت المحطة الجديدة بمناظر فسيفسائية من الرخام الأبيض والأسود كملامح من أهم مؤلفات دستويفسكي، بما فيها روايات «الجريمة والعقاب»، «الشياطين»، «الأحمق»، والإخوة كرامازوف».

ولكن الأمر في حقيقته لا يدعو للدهشة، بالنسبة لكاتب اشتهر بانشغاله بالموت، فتلك المشاهد تشمل صورا عن الانتحار والقتل.

فعلى أحد الجدران ظهر مشهد رودين راسكولنكوف، وهو بطل رواية «الجريمة والعقاب»، يلوح بفأس في وجه العجوز المرابية أليونا ايفانوفا وشقيقتها، وهما ضحيتا جرائمه في الرواية. وفي مكان مجاور ظهرت إحدى شخصيات رواية «الشياطين»، وهي تحمل مسدسا في المعبد الشيطاني.

وسرعان ما سببت تلك الصور، التي ظهرت على شبكة الإنترنت على نطاق واسع، حساسيات كبيرة في موسكو، ووصفها أصحاب المدونات وبعض مواقع الشبكة العنكبوتية بأنها مثيرة للاكتئاب، وسط تكهنات بأنها قد تجتذب من يميلون إلى الانتحار إلى المحطة، وتلفت أنظارهم.

وكان من المفترض أن تفتتح هذه المحطة في الآونة الأخيرة، غير أن افتتاحها تأجل إلى أمد لم يحدد. ورفض المسؤولون التعقيب على ذلك، غير أن صحيفة «أزفستيا» الروسية اليومية ذهبت إلى أن السبب يعود لرئيس أنظمة المواصلات الروسية، الذي أثار مسألة تغيير التصاميم الداخلية للمحطة، أخيرا، عندما زار الموقع. وقالت مصادر في محطة المترو إن الجدل المثار حول هذه المسألة كان مجرد غطاء ملائم لعدم جاهزية المحطة للافتتاح في الوقت المحدد لذلك.

والآن فإن مصير اللوحات الجدارية في داخل المحطة معلق بيدي رئيس بلدية موسكو يوري لوزكوف، وهو رجل مطلع على الجدل المثار حول الفنون الشعبية، وأثار ولعه بالتماثيل البرونزية، التي أبدعها النحات الجورجي زوراب تسيريتيلي، انقسامات حادة بين أهالي موسكو. وقد تراجع، أخيرا، عن خطط لنزع ملصقات كبيرة لستالين منتشرة في أرجاء العاصمة الروسية، وإحلال ملصقات عن عيد النصر على النازيين محلها.

وأيا كان قرار لوزكوف، فإن إيفان نيكوليف، وهو رسام اللوحات الجدارية، لا يشعر بالحاجة لتبرير الأعمال الفنية التي صممها على جدران المحطة. وهو يقول في هذا الصدد: « ماذا تريدون أن أرسم؟ مشاهد راقصة؟ لا توجد في روايات دستويفسكي مثل تلك المشاهد. وقد حاولت أن أعبر عن شخصيته، كرجل، وفنان، وفيلسوف.

ترجمة عمر حرزالله