فاطمة حقيق سيدة ليبية استطاعت أن تتجاوز كافة الحواجز الواهية، التي كبلت المرأة، فحققت نجاحا نوعيا، أثبت معه جدارة وأهلية المرأة العربية، والليبية بشكل خاص، في شتى المجالات، وفي مقدمها الثقافي والفكري.
إنها امرأة وعت بعمق ماهية حساسية مسؤوليتها الاجتماعية الفكرية تجاه المجتمع، في خصوص الخطر المحدق بأبناء أمتها بفعل تراجع دور وحضور الثقافة بمختلف مفرداتها، فبادرت إلى تأسيس دور نشر ومكتبة وسط طرابلس الغرب، العاصمة الليبية، حيث باتت تعد من الأكبر والأشهر في ليبيا عموما.
كما أنها لم تحصر نشاطها في هذا الصدد، فتابعت أعمالها وجهودها ضمن قطاع الأعمال، وأخذت تحصد ثمار جدها واجتهادها، إذ إنها الآن سيدة أعمال رائدة، وعضو في المجلس العربي لسيدات الأعمال العرب، إضافة إلى تميزها في مشوار تحصيلها العلمي، إذ نالت درجة الليسانس في علم الاجتماع.
وحصلت على شهادة الماجستير في الصحة النفسية، وهي رغم ذلك، لم تجعل من طبيعة ونوعية تخصصها العلمي الأكاديمي عقبة تعيق انطلاقة مشوار عطائها في جميع الحقول، حيث عملت موظفة في المكتبة المركزية بجامعة الفاتح، وخاضت مجال التدريس، وكذلك الإعلام، فقدمت برنامجا تلفزيونيا يتناول موضوعات تخص الحجيج، من الناحية الدينية والاجتماعية. وأيضا شغلت منصب رئيس تحرير مجلة (لبيك).
كيف جاءتك فكرة مشروع دار النشر؟
كان هذا نتيجة لحضوري الكثير من الاجتماعات، علاوة على حبي للكتاب وإحساسي بأن خدمة الكتاب هي من الخدمات التي يشعر الإنسان معها بأنه قدم شيئا لبلده. وأنا أرى أن المعلومة هي أساس تحركنا وتفوقنا وإتقاننا للعمل في حياتنا.وهكذا عزمت على أن أترجم حلمي بإطلاق هذا المشروع (دار نشر).
ولكنني في البداية لم أجد الدعم ولا المساندة، فبدأت أفكر في إنشاء مكتبة لبيع الكتاب، خاصة وأنني شعرت بأن الجامعات كانت فاشلة في توفير الكتب في جميع التخصصات، وتحديدا الأحدث منها، وتوازى ذلك مع عمق إدراكي بأن هناك فئة معينة من الطلبة لديها القدرة على شراء الكتب من المكتبات الخاصة.
وما أفادني هنا أيضا علاقتي ببعض المثقفين والمبدعين، وبذا تيقنت عبر احتكاكي بهم من انه لا يوجد لديهم مجال يظهر إبداعهم في الكتابة، إلا من خلال دور نشر خاصة، وهكذا فإن بداية الفكرة كانت بدار نشر، ثم مكتبة. ومن هنا تأسست الدار في سنة 1991 م، وتم افتتاحها فعليا في العام 1992 م.
هل حقق هذا المشروع الأهداف المرجوة منه؟
نعم، فقد استطاعت هذه المؤسسة تحقيق الكثير من الأهداف، حيث كان لها دور كبير في نشر الكتاب المحلي، بالنسبة للأكاديميين والمثقفين معا، وهو ساعد أيضا في عملية تجديد وتحديث المناهج، من خلال ما وفره للأساتذة والجامعات والمراكز البحثية، من كتب جديدة.
وإلى جانب ذلك فقد وجدت لدى افتتاحي لهذه المؤسسة، أن عددا من المؤلفين يمتلكون مخطوطات، وغير قادرين على نشرها، وكانت مكتبة طرابلس أول من اخذ بأيديهم.
وأما بالنسبة للجانب المادي فان حركة البيع في المكتبة في العام 2000م، لم تكن بالشكل المطلوب، لان القراء وجدوا نوعا من الصعوبة في اقتناء الكتب، لارتفاع أسعارها بالمقارنة مع الكتاب الموجود في المؤسسات الحكومية ودار الجماهيرية، باعتبارها مدعومة من الحكومة.
ولكننا مع ذلك كنا نتدبر أمرنا بطرق خاصة، وهكذا استطعت التميز من خلال أسعار مناسبة، فكفلت قاعدة تطور المكتبة لاحقا، في ما بعد العام 2000م، أي بعد توحيد الصرف للدينار الليبي، وهو ما كان له الأثر الايجابي.
ما سبب اختيارك الكتاب كمجال عمل؟ هل لارتباطك كمثقفة بالقراءة أم لأن لديك حسابات أخرى؟
استطيع أن أقول ان ذلك بفعل السببين معا، وهو في البداية لارتباطي بالكتاب كصديق، وأجمل ما في هذا الصديق أنه يبقى كما هو، حتى لو اختلفنا معه في وجهة نظر معينة، فهو لا يتغير ونستطيع الرجوع إليه وقراءته متى نريد، بينما الصديق مجرد اختلافنا معه في الرأي أحياناً.
يؤدي إلى فقدان صداقته، هذا جانب مهم، وهناك بالمقابل شعوري بأن أجمل عمل أقدمه هو الكتاب والمعلومة، سواء كان كتابا ورقيا أو كتابا الكترونيا، لكن هذا لا يعني عدم وجود جزئية تتعلق بالجانب التجاري.
ماذا عن انضمامك إلى مجلس سيدات الأعمال العرب؟ وكيف بدأت فكرة ذلك؟
ذات مرة كنت جالسة أشاهد التلفاز، حيث كنت أتابع برنامج «فنجان قهوة» على إحدى القنوات الفضائية اللبنانية، وكانت ليلى كرامي، ضيفة البرنامج، وشرعت تتحدث عن تأسيس المجلس العربي لسيدات الأعمال، التابع للجامعة العربية، والذي يضم عددا من النساء اللواتي يعملن كرئيسات لجمعيات قطرية.
وكان المجلس في تلك الفترة برئاسة الشيخة حصة الصباح، ونائبتها هي ليلى خياط من تونس، والتي دونت اسمها فور سماعي له، فبادرت إلى محاولة الاتصال بالبرنامج ولكنني لم أوفق، وما دفعني للاهتمام بالموضوع وحفزني كثيرا، حديث كرامي عن أسفها لعدم شمول مجلس سيدات الأعمال للجزائر فقط، بينما كل الدول العربية البقية منضوية فيه.
ومن هنا بدأت رحلتي بالبحث عن ليلى الخياط إلى أن التقيتها واستفسرت منها عن كيفية الانتساب للمجلس، وكان الحل هو أن أشارك في البدء كمراقبة، وخلال فترة المؤتمر، وتحديدا اجتماع لجنة الإدارة تم تقديمي، علما بان اغلب العضوات هن رئيسات جمعيات، ووفق على طلبي عضوة.
هل يعتمد سوق الكتاب على الطلبة أم على القراء؟
بالنسبة لي ومن خلال خبرتي، فإنه يعتمد على الطلبة والأكاديميين، فالقراء نسبتهم قليلة جداً، وهذا يعني أن هذا السوق لا يعتمد عليهم كجانب تجاري، وأنا أقدم الخدمة للقراء والمثقفين، وقد يرجع هذا لضعف القدرة الشرائية.
ما هي طموحاتك المستقبلية؟
أطمح منذ العام 1985 م، لمشروع يسمى مركز ليبيا الثقافي حيث يتم تحويل سوق الجماهيرية إلى سوق ثقافية كبيرة تضم قاعات ومكتبة بيع وصالات مطالعة وسينما أطفال ومرسما ورواقا للبيع، وان يستغل البهو الخارجي للسوق في أن يكون مقهى للأدباء والمثقفين، وقد قدمت هذا المقترح لأكثر من جهة، منها مؤتمر الشعب وأمانة الاقتصاد، ولكن للأسف حتى الآن لم أجد التجاوب بشأنه.
طرابلس ـ سعيد فرحات
