لا تزال مشكلة هروب الخدم قائمة على الرغم من الإجراءات التي تحاول الأجهزة المعنية اتخاذها، فهروب الخادمات تحول إلى كابوس قديم متجدد ومتكرر بصورة تهدد ميزانية الأسرة واستقرارها الاجتماعي، وقد يؤثر على الأطفال إذا كانوا مواظبين على برنامج يومي محدد يعتمد على تجهيزات تقوم بها الخادمة بشأن الاستعداد للذهاب إلى المدرسة مثلا.
واختلفت الآراء حول أسباب هروب الخادمات، فيرى البعض أن الدافع الرئيسي هو سوء المعاملة من جانب بعض أفراد الأسرة، ويرى البعض الآخر أنها مسألة استغلال لمساحة الاختيارات والحرية التي تحظى بها الخادمات، بينما يرى الآخرون أنها ظاهرة مفتعلة من جانب مكاتب الاستقدام التي تحظى بعمولة من الزبائن عن كل خادمة تقوم بتوظيفها.
بينما يؤكد البعض أن هذه الظاهرة سببها الأساسي هو افتقار هذه الفئة من العاملين بعادات وتقاليد المجتمع المحلي، وحاجتها إلى التوعية الاجتماعية بطبيعة هذا المجتمع ومبادئه المستمدة من التقاليد العربية والإسلامية الأصيلة.
حلول جذرية
في البداية يقول وهيب عبد الجليل إن من يتناول بالفحص مشكلة ذات أبعاد اجتماعية بهذه الأهمية، لابد من أن يضع أمامه كل الأسباب ويعالجها بموضوعية حتى يصل إلى الحلول الجذرية التي تمنع ظهورها على السطح مرة أخرى، وهروب الخادمة من الأسرة التي تعمل بمنزلها يكون إما بدافع المعاملة السيئة من جانب أفراد هذه الأسرة.
فتنتهز الخادمة الفرصة للهرب لدى أول بادرة تلوح لها في الأفق، وليس معنى ذلك أن كل العائلات تسيء التعامل مع الخادمة، ولكن هذه حالات استثنائية تشجع الخادمة على اتخاذ هذا الاختيار بصورة دفاعية كوسيلة لتخفيف الضغط، ولعل طريقة التفكير تؤكد لنا أنها قد تعرضت لسوء معاملة، إذ انها فضلت مغامرة الهروب وواجهت احتمالات المطاردة على الوجود بين أعضاء الأسرة.
ويضيف وهيب ان بعض الحالات الأخرى من الخادمات تكون ضحية أحلام اليقظة، إذ انها تستجيب لإغراء الوسطاء الذين يقنعونها بالعمل بنظام نصف الدوام، أو العمل بنظام الأجر بالساعة، على أساس أن هذا النظام يدر عليها أرباحاً أعلى، وقد تجهل هذه الخادمة أن هذا النظام ممنوع من الناحية القانونية، وربما لن تحصل على فرصة عمل بالمرة إذا اعتمدت على ذلك.
ويشير عبد الجليل إلى أن هناك إجراءات كثيرة لابد من اتخاذها لمحاصرة هذه الظاهرة في أقل حد لها، لأن سلبياتها في الأغلب تقع على الأسر التي تقوم بكفالة هذه الخادمات، وتتحمل العديد من الأعباء المالية والاجتماعية في سبيل الحصول على الشخصية المناسبة التي يمكن ائتمانها على أفراد الأسرة، خاصة إذا كان من بين أفرادها أطفال في حاجة إلى الرعاية.
ويقترح وهيب تنظيم دورات توعوية للخادمات في بلادهن قبل استقدامهن بحيث يكون لديهن الحد الأدنى من الثقافة الاجتماعية عن الدولة ونظامها القانوني والعائلي فلا تغير الخادمة رأيها بمجرد وصولها لأنها لم تجد التصور الذي تصورته غير حقيقي.
شعور بالمسؤولية
وتقول نوال راشد إن هذه المشكلة تواجه بعض الأسر نتيجة عدم الاهتمام برعاية وتوجيه الخادمة إلى الأساليب الصحيحة للتعامل مع الواقع، وتضيف أن لديها خادمة تعمل منذ 23 عاماً لم تشعرها يوماً بأنها خادمة، ولكن تعاملها معاملة الأخت، وتشير إلى أنها قدرت الدور الذي قامت به هذه الخادمة في تربية بناتها وتنشئتهن تنشئة سليمة.
وتضيف أن هذه النوعية من الوظائف التي تستلزم إقامة كاملة داخل المنزل تحتاج إلى التعامل مع الخادمة من عدة زوايا أهمها إشعارها بالمسؤولية التي تحملها تجاه الأسرة وتجاه الأطفال، وهذا الشعور بالمسؤولية يجعلها تفكر أكثر من مرة قبل الإقدام على الهروب.
وتضيف نوال بقولها إن بعض هذه الخادمات يقدمن على هذه الخطوة من باب البحث عن فرصة أفضل أو راتب أحسن، وواجب الأسرة تجاه هذه الحالات هو توعية الخادمة وتوفير المعلومات الأخلاقية والقانونية لها حتى تظل على تواصل مع أفراد الأسرة بصورة صحيحة ولا تتأثر بمحاولات تضليلها من ضعاف النفوس الذين قد يحاولون إغراءها بفرص أفضل لها من الناحية المادية لا وجود لها على أرض الواقع.
وتشير نوال راشد إلى أن هذه الخادمة أياً كان وطنها، تعتبر غريبة عن المجتمع العربي، ولا تعرف شيئاً عن خصائص هذا المجتمع من حيث عاداته وآدابه وسلوكيات أفراده، كما أنها لا تعرف أن بعض ما تتيحه لها معطيات مجتمعها قد لا يتفق وطبيعة مجتمعنا، لذلك تحتاج الخادمة في بداية استلامها مهام عملها إلى قيام ربة الأسرة بإرشادها إلى الآداب والتقاليد الواجب اتباعها في المجتمع وضرورة التقيد بهذه التقاليد.
أطماع مادية
وتحكي أم سعيد تجربتها مع الخادمة بقولها: سألتني الخادمة في أول أيام حضورها إلى المنزل عن عدد الذكور من الأبناء، وعندما أخبرتها أن البيت أقيم به أنا وبناتي فقط عادت لتسألني عن سبب وجود ملابس رجالية في خزانة الملابس، فقلت لها انها تخص ابني الذي يدرس في الخارج ويحضر إلى الوطن مرة واحدة في العام فلم تعلق، ولكنها هربت بعد أقل من أسبوع ولا أدري لهروبها سبباً.
وتؤكد سامية محمد صادق على ضرورة تشديد الإجراءات على مكاتب توريد العمالة لضمان جدية الخدمة لأن معظم حالات الهروب لها علاقة بالمكتب سواء أكانت بصفة مباشرة أو بصورة غير مباشرة، كما تؤكد أن سوء المعاملة ليس فقط هو السبب في معظم الحالات.
بل هناك أسباب أقوى وأكثر تأثيراً أهمها الطمع المادي والرغبة الملحة من جانب الخادمة في الحصول على أكبر قدر من الأموال نظير أقل وقت ممكن من العمل، وللأسف فإن الخادمة التي تهرب تجد في معظم الأحوال عملاً بديلاً بنظام الدوام الجزئي.
وهذا يدفعها لتشجيع غيرها ممن يعملن لدى عائلات أخرى على القيام بنفس الخطوة والهروب من المنزل لتحقيق الأحلام المادية المتوقعة، والمؤسف أن هناك من العائلات من يسمح بتشغيل هؤلاء الهاربات إما بسبب الجهل بقوانين الإقامة، أو لانخفاض الأجر الذي تطلبه هذه الخادمة على اعتبار أنها ليست على كفالة الأسرة.
وتقترح سامية ضرورة وضع آلية لعقاب الخادمة المتهربة من خدمة كفيلها بفرض غرامة مالية كبيرة عليها تسددها قبل التسفير، أو يمكن أن تسلم للأجهزة الحكومية مبلغاً من المال على سبيل الضمان لا يسترد في حالة الهروب، ويمكنها استعادته في حالة عودتها النهائية إلى الديار وقد يردع ذلك الإجراء الخادمات عن الهروب.
وتشير سامية إلى وجود قصور في العقوبات التي تعاقب بها الخادمة حال هروبها من كفيلها حيث لا تعاقب سوى بالتسفير على نفقة الكفيل، وهذه العقوبة لا تكفي لردعهن عن ارتكاب هذه المخالفة.
أخطاء الأسر
يؤكد محمد خيري على أن هروب الخادمة بصورة مفاجئة، يؤدي إلى دخول البيت والأسرة في حالة من الارتباك الشديد بسبب الاعتماد الكلي عليها، وربما كان ذلك من الأخطاء التي ترتكبها معظم الأسر، وربما يعوق هروب الخادمة الأطفال عن الذهاب إلى المدارس إلى أن تقوم الأم بتدبير الخادمة البديلة أو القيام بما يلزم الأطفال قبل ذهابهم إلى المدرسة وخاصة لو كان عدد الأبناء كبيرا.
ويضيف خيري أن الخادمة تستجيب في الغالب لمغريات مادية يقدمها إليها أشخاص محترفون في مجال تشغيل العمالة بصورة غير شرعية، على الرغم من أن القانون يمنع تشغيل خدم المنازل بصفة مؤقتة إلا بعد موافقة الكفيل الأصلي والكفيل الجديد وبعد سداد الرسوم المقررة.
ولا بد من تسجيل الحالة في الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب باعتبارها الجهة المنظمة لاستقدام هذا النوع من العمالة المنزلية، ويؤكد على أن تشغيل خادمة هاربة من كفيلها يعرض من يقوم بذلك للعقوبة القانونية، ومع ذلك نرى أن الخادمة الهاربة تعمل لدى الغير بنظام الدوام الجزئي، وقد نجد وسطاء في ذلك الأمر يوفرون الفرص لهذه الفئات الهاربة نظير الحصول على عمولات مادية.
هروب الخادمة يؤثر سلباً على الأسر
عادت ظاهرة هروب الخدم من الكفيل تطل برأسها على المجتمع من جديد، لتضيف إلى أبعاده بعداً مخيفاً يؤثر على استقرار الأسر والزوجات المرتبطات بوظائف، ويربك سير العائلة بأكملها.
ولهذه الظاهرة أسباب متشابكة ومعقدة، ويترتب عليها أيضاً نتائج في غاية السلبية، فالكفيل مضطر في كل الأحوال لتسديد نفقات رحيل الخادمة حتى ولو كانت هاربة وتحفظت عليها السلطات.
كذلك ارتفعت تكاليف استقدام خادمة بديلة لتتجاوز 7 أو 8 آلاف درهم، وأصبح هاجس هروب الخادمة يؤرق ربة الأسرة أكثر من قبل، وأصبحت قصة الهروب متكررة بصورة شبه يومية ولكن لكل هروب قصة ودافعا ونتائج تختلف عن غيرها.
وتحاول الأجهزة المعنية الوصول إلى حلول من خلال الإجراءات العديدة التي تضمن بها عدم تكرار الظاهرة، بينما يطالب البعض بتطبيق نظام الضمان المالي الذي تسدده الخادمة لدى تسلمها العمل وتسترجعه عند المغادرة النهائية، بينما طالب البعض الآخر بضرورة إحكام الرقابة على مكاتب الاستقدام لمنع التلاعب في مسألة التأمين.
اقتراحات وآراء
يقترح محمد خيري أن تقوم الجهات المختصة بوضع نظام جديد يقتضي توقيع عقد عمل بين الخادمة والكفيل يتضمن شرطا جزائيا تقوم الخادمة حال هروبها من عملها الأصلي وضبطها تعمل لدى غير الكفيل، مع إسقاط حقها في الحصول على تذكرة السفر كونها فسخت التعاقد بهروبها، مع حرمان مرتكبات هذه المخالفة من الدخول مجدداً إلى أراضي الدولة.
ويقترح أشرف الحوسني أن تقوم الجهات الرقابية بحملات على المساكن الجماعية بجميع إمارات الدولة، لفحص الأوراق الثبوتية التي يتضح من خلالها مدى شرعية وضع الخادمة، كما يقترح تنظيم هذه الحملات في وقت واحد حتى لا يجدد أحد الهرب إلى جهة أخرى.
وتقترح الحاجة ناجية الحمروش أن تقوم الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب، بعمل قائمة سوداء لمكاتب توريد العمالة التي تصدر عنها حالات هروب متعددة للخادمات اللائي يوفر لهن المكتب فرص العمل، بحيث يلغى الترخيص بعد عدد محدد من المخالفات التي ترتكبها الخادمة التي استقدمت عن طريقه.
دبي - أيمن حجازي
