عيون الكلام

نزاع الحب

أنَزَاعاً في الحُبّ بَعدَ نُزُوعِ، *** وَذَهَاباً في الغَيّ بَعْدَ رُجُوعِ

قَد أرَتْكَ الدّموعُ، يوْمَ تَوَلّتْ*** ظُعُنُ الحَيّ، مَا وَرَاءَ الدّمُوعِ

عَبَرَاتٌ مِلْءُ الجُفُونِ، مَرَتها *** حُرَقٌ في الفُؤادِ مِلْءُ الضّلُوعِ

رُبَّ مَرةٍ مَرت تُجاذِبُ قُطْريهِ *** سَراباً كالْمَنْهلِ المَشرُوعِ

وَسُريً تَنْتَحيهِ بالوَخْدِ، حتّى *** تَصْدَعَ اللّيلَ عَن بَياضِ الصّديعِ

كالبُرَى في البُرَى، وَيُحسَبنَ أحيا *** ناً نُسُوعاً مَجدولَةً في النّسوعِ

أبْلَغَتْنَا مُحَمّداً، فَحَمِدْنَا *** حُسنَ ذاكَ المَرْئيّ وَالمَسموعِ

في الجَنابِ المُخضَرّ وَالخُلُقِ السّكْ *** بِ الشّآبيبِ، وَالفِناءِ الوَسيعِ

مِنْ فتًى، يَبتَدي، فيَكثُرُ تبدي *** دُ العَطايا في وَفْرِهِ المَجْمُوعِ

كلَّ يَوْمٍ يَسُنُّ مَجداً جَديداً، *** بفَعالٍ، في المَكرُماتِ، بَديعِ

أدَبٌ لمْ تُصِبْهُ ظُلْمَةُ جَهْلٍ، *** فهوَ كالشّمسِ عندَ وَقتِ الطّلوعِ

وَإذا سَابَقَ الجِيَادَ إلى المَجْ *** دِ، فَما البرْقُ خَلفَهُ بسَرِيعِ

وَمَتى مَدّ كَفَّهُ نَالَ أقْصَى *** ذلكَ السّؤدَدِ البَعيدِ، الشَّسوعِ

أُسْوَةٌ للصّديقِ تَدْنُو إلَيْهِ *** عَن مَحَلٍّ في النَّيلِ، عالٍ رَفيعِ

وَإذا مَا الشّرِيفُ لَمْ يَتَوَاضَعْ *** للأخِلاّءِ، فهو عَينَ الوَضِيعِ

يَا أبَا جَعْفَرٍ! عَدِمْتُ نَوَالاً *** لَسْتَ فيهِ مُشَفّعي، أوْ شَفيعي

أنتَ أعْزَزْتَني، وَرُبّ زَمَانٍ، *** طالَ فيهِ بَينَ اللّئَامِ خُضُوعي

لمْ تُضِعْني لَمّا أضَاعَنيَ الدّهْ *** رُ، وَلَيسَ المُضَاعُ إلاّ مُضِيعي

وَرِجالٍ جارَوْا خَلائِقَكَ الغُرّ *** وَلَيْسَتْ يَلامِقٌ مِنْ دُرُوعِ

وَلَيالي الخَرِيفِ خُضْرٌ، وَلكِنْ *** رَغّبَتْنَا عَنْهَا لَيالي الرّبيعِ

شعر: البحتري

ـ هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى التنوخي الطائي، أحد أشهر الشعراء العرب في العصر العباسي.

يقال لشعره سلاسل الذهب، وهو أحد الثلاثة الذين كانوا أشعر أبناء عصرهم، المتنبي وأبو تمام والبحتري، وقد قيل لأبي العلاء المعري: أي الثلاثة أشعر؟ فقال: المتنبي وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري.

ولد البحتري في منبج قرب حلب سنة (821م\206 ه)، ونشأ في قومه الطائيين فتغلبت عليه فصاحتهم، تتلمذ لأبي تمام وأخذ عنه طريقته في المديح ثم أقام في حلب وتعلم هناك ملكة البلاغة والشعر واحب هناك (علوة) المغنية الحلبية التي ذكرها كثيرا في قصائده. واتصل بالمتوكل فحظي لديه وأصبح عنده شاعر القصر ينشد الأشعار فتغدق عليه الأموال الوافرة.

والبحتري بدوي النزعة في شعره، ولم يتأثر إلا بالصبغة الخارجية من الحضارة الجديدة. وقد أكثر من تقليد المعاني القديمة لفظيا مع التجديد في المعاني والدلالات، وعرف عنه التزامه الشديد بعمود الشعر وبنهج القصيدة العربية الأصيلة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات