استحوذ الهاتف المتحرك أو «الموبايل» على مكانة مهمة في حياتنا، فلم يعد بإمكان أحد الاستغناء عنه بأي حال من الأحوال، وهو ما لفت اهتمام الشركات المنتجة والتي سعت إلى تكريس ذلك من خلال استحداث تطورات كبيرة في الهواتف المتحركة بحيث تلبي كافة احتياجات حامله.
ومع الانتشار الكثيف لهذا الجهاز، باتت الإمارات سوقاً رئيسياً لنمو معدلات مبيعات الهواتف المتحركة في المنطقة من خلال استقطاب أحدث الوسائل والمنتجات التكنولوجية ونشرها على نطاق واسع، وقد أشارت بعض التقديرات الاقتصادية إلى أن عدد أجهزة الهواتف المتحركة المباعة بالدولة شهرياً يصل إلى نحو 300 ألف جهاز، مما يضع الإمارات في المرتبة الثانية على مستوى منطقة الخليج بعد السعودية في مبيعات الهواتف المتحركة.كما تعتبر الإمارات إحدى أكثر الأسواق رواجاً في المنطقة فيما يخص تجارة أجهزة الهواتف المحمولة المستعملة سيّما في ظل توجه نسبة كبيرة من المستخدمين ومعظمهم من الشباب لامتلاك أكثر من جهاز ورغبتهم الدائمة في التغيير واقتناء أحدث الأجهزة من مختلف العلامات التجارية، مما يزيد المعروض من الهواتف المستخدمة في الأسواق المحلية.
:دراسة علمية:وقد أفاد بعض الخبراء بأن متوسط عمر جهاز الهاتف المتحرك في الإمارات يتراوح ما بين 4 - 6 أشهر فقط مقارنة مع مناطق أخرى من العالم يزيد فيها المتوسط عن 10 أشهر، في المقابل تؤكد قاعدة بيانات غرفة تجارة وصناعة الشارقة على وجود 617 شركة ومحل متخصص ببيع الهواتف المتحركة في الشارقة وحدها، وأن قيمة الرأسمال المستثمر بهذا القطاع يصل إلى 5 .61 مليون درهم إماراتي.وادى الانتشار الكثيف للهواتف المتحركة أدى إلى ظهور ما يسمى «بجريمة الهاتف المتحرك»، والتي سلطت الضوء عليها الدراسة الميدانية «اتجاهات طالبات جامعة الشارقة نحو الخوف من جرائم الموبايل» والتي أجرتها الطالبة فاطمة راشد المحيان من جامعة الشارقة، حيث ناقشت فاطمة واقع هذه الجريمة من خلال استبيان شمل 100 طالبة في جامعتها.لقد أظهرت دراسة فاطمة التي فازت بجائزة العويس الثقافية بأن الغالبية العظمى من المبحوثين يمتلكون هاتف واحد مزود بكاميرا، وأنهم من مستخدمي تقنية البلوتوث.
وبينت أن 50% من جرائم الهواتف المتحركة التي تقع بالإمارات تكمن في تبادل الصور والمقاطع المخلة بالآداب، وأن 4 .35% تكمن في تصوير الآخرين دون علمهم، أما تصوير المجرمين لجرائمهم ونشرها بشكل يبث الرعب في نفوس الضحايا كانت من أقل الجرائم انتشارا في الإمارات بنسبة 5 .25%.
سوء استخدام
تقول فاطمة: «بلا شك أن ظهور وانتشار الهاتف المتحرك في الإمارات كان له تأثير بالغ على الأفراد في المجتمع، خاصة وأن الجميع يمتلك هذه التكنولوجيا، ولكن سوء استخدامها أدى إلى ظهور الكثير من المشكلات التي باتت تهدد المجتمع، فبدلاً من أن يكون الهاتف وسيلة لقضاء المصالح.
أصبح مصدرا للإزعاج خاصة بالنسبة للفتيات، ليتحول الأمر إلى ظاهرة بتقديري يجب الوقوف عندها، وقد حاولت في دراستي التطرق إلى عدد من التساؤلات حول أهم جرائم الهاتف المتحرك التي تحدث في الإمارات، والمواقف التي تشعر الفرد بالخوف من الوقوع ضحية لمثل هذه الجرائم، وأسبابها والأماكن التي تحدث فيها.
وتعرف فاطمة جرائم الهاتف المتحرك على أنها استخدام أو استغلال مزايا الهاتف المتحرك بطريقة غير سوية، تؤثر على الآخرين سلبا وتجعلهم يشعرون بالخوف من بعض المواقف خشية تعرضهم لإحدى سلبيات أو جرائم الهاتف المتحرك، مثل تصوير الآخرين دون علمهم.
وسرقة الأجهزة لاستغلال ما بداخلها من صور ومحتويات ونشرها، واستغلال الصور الموجودة بالتركيب عن طريق الغرافيكس، وتبادل الصور والمقاطع المخلة بالآداب، وتصوير المجرمين لجرائمهم ونشرها بشكل يبث الرعب في النفوس، ونشر الفيروسات والغش بين الطلاب».
وأكدت فاطمة في دراستها على تنامي ظاهرة جرائم الهاتف المتحرك في الآونة الأخيرة، وأثبتت بأن الإناث أكثر عرضة للخطورة مرجعة ذلك إلى ضعف الوازع الديني بالدرجة الأولى والبحث عن المتعة في الدرجة الثانية، وقالت: «إن نحو 93% من الأفراد يمتلكون هاتف مزود بكاميرا، وأن 69% يمتلكون هاتف متحرك واحد فقط، وأن أغلب حملة الهاتف المتحرك من مستخدمي تقنية البلوتوث».
وحول أبرز جرائم الهاتف المتحرك قالت فاطمة: «إن أبرز النتائج التي توصلت إليها في دراستي هي أن تبادل الصور والمقاطع المخلة بالآداب من أكثر جرائم الهاتف المتحرك انتشارا في الإمارات، يليها جريمة تصوير الآخرين دون علمهم، في حين احتلت جريمة تصوير المجرمين لجرائمهم ونشرها بطريقة تبث الرعب بنفس الضحية المرتبة الثالثة، وهي تعتبر من أقل الجرائم انتشارا في الإمارات».
جرائم ناعمة
وكشفت نتائج الاستبيان الذي أجرته فاطمة في إطار دراستها بأن 12% على الأقل من المستطلعين تعرضوا لإحدى جرائم الهاتف المتحرك، ومن أبرزها نشر الفيروسات، وتخريب الأجهزة ثم تصوير الآخرين دون علمهم.
انشغالنا بالحياة وبما حولنا جعلنا عرضة لنسيان أو فقدان هواتفنا المتحركة، الأمر الذي قد يوقعنا ضحية لمن يجد هذا الجهاز، وفي ذلك قالت فاطمة: «لقد كان فقدان الهاتف المتحرك من أكثر المواقف التي يشعر فيها صاحبه بالخوف لأن يكون ضحية لجرائم الهاتف المتحرك.
وقد أثبت الاستبيان أن 74% من الفتيات يشعرن بذلك، في حين أن 58% يشعرون بالخوف عند تعرضهم لسرقة الجهاز وذلك لاحتوائه على ملفات أو صور خاصة، بينما يشعر 31% بالخوف عند قيامهم باستبدال هواتفهم من المحلات التجارية، وأن 22% يشعرون بهذا الخوف عند حاجة الجهاز للصيانة.
جرائم الهاتف المتحرك تعتبر من «الجرائم الناعمة» والمتجددة، وهي من النوع الذي لا يعرف مكانا محددا، وحول ذلك أوضحت فاطمة: «أكثر ما يميز جرائم الهاتف المتحرك هو كثرة الأماكن التي قد تحدث فيها، وقد بينت دراستي بأن 65% من جرائم الهاتف المتحرك تقع في المراكز التجارية وذلك لأن أكثر مرتادي المراكز التجارية يرتادونها لقضاء وقت الفراغ.
وقد يستغلونه بارتكاب إحدى جرائم الهاتف المتحرك كنوع من التسلية، في حين أن المكتبات هي أقل الأماكن وقد وصلت نسبتها إلى 7%، وأشارت فاطمة إلى أن 87% من أسباب انتشار جرائم الهاتف المتحرك تعود لضعف الوازع الديني ومن ثم انتشار الفراغ لدى الشباب، في حين أن 4 .39% ترجع لرخص تكلفة الهاتف المتحرك وهو ما يشير إلى أن التكلفة لا تقف عائقا أمام ارتكاب الجريمة ما دامت الرغبة موجودة.
الشباب ضحية
من جهته قال الدكتور أحمد فلاح العموش، رئيس قسم الاجتماع في جامعة الشارقة، حول أهمية هذه الدراسة: «تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تلقي الضوء على الخوف من جرائم الهاتف المتحرك، خاصة وأن هناك الكثير ممن يفقدون هواتفهم المتحركة يشعرون بخوف كبير نتيجة لفقدانهم هواتفهم المتحركة والتي عادة تكون إما في السيارة أو أماكن العمل أو مراكز التسوق».
وأضاف: «هذا الخوف ينشأ لأن الهاتف المتحرك أصبح مهما جدا في حياتنا، فقد يكون له قيمة رمزية لدى حامله، وقد يكون عليه بعض المعلومات الخاصة والصور، وضياعه قد يعرض صاحبه إلى الابتزاز، حيث يقوم بعض المجرمين بتوظيف المعلومات التي يحصل عليها في ابتزاز المجني عليه خاصة إذا كانت فتاة، وقد يصل إلى مرحلة التحرش فيها.
وقال د. العموش: «ظاهرة جرائم الهاتف المتحرك موجودة في الإمارات كما في أي مجتمع آخر، وأكثر ضحاياها يكونون من الشباب وذلك لعدم إعطائهم أهمية كبيرة لهذا الجهاز لانشغالهم بأشياء أخرى في حياتهم اليومية، مما يجعلهم عرضة لمثل هذه الجرائم».
وأضاف: «توضح دراسة فاطمة بأن 12% من جرائم الهاتف المتحرك قد تم تسجيلها أو الإعلان عنها، في حين أن الغالبية العظمى تم التغافل عنها وذلك خوفا من قيام الجاني أو المجرم بابتزاز الضحية عبر نشر المعلومات الخاصة التي يمتلكها الجاني عنها على الانترنت على اعتبار أنها الوسيلة الأسهل والأكثر شيوعا».
وتعتبر الإمارات من الدول المتقدمة تقنيا في الكشف عن جرائم الاحتيال والنصب الالكتروني وجرائم الهاتف المتحرك، وتولي الإدارات المختصة في هذا الجانب اهتماما كبيرا، وحول ذلك قال د. العموش: «من المتعارف عليه في علم الجريمة بأنها دائما تسبق الجانب الأمني، خاصة هذا النوع من الجرائم ولذلك يطلق عليه بأنه من الجرائم العابرة أو المتجددة التي لا يمكن التنبؤ بها وبأشكالها.
الحبس سنة وغرامة لا تتجاوز 200 ألف درهم لردع المستهترين
تعتبر جرائم الموبايل من الجرائم المستحدثة التي ظهرت نتيجة للتقدم التكنولوجي بأجهزة الاتصالات وكذلك التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، ولذلك كان لا بد من وجود تشريع قانوني لمنع ارتكاب هذه الجرائم، وحول ذلك قال المحامي يوسف الشريف: «هناك الكثير من الجرائم التي تقع نتيجة للتطور التكنولوجي في قطاع الاتصالات.
ولذلك فقد كان لزاماً أن تواكب تلك الجرائم المستحدثة نصوص قانونية تجرمها وتعاقب عليها، وهو ما حدا بالمشرع الإماراتي إلى التدخل لمواجهة هذا النوع من الجرائم بإصدار نصوص لتجريمها والعقاب عليها عملاً منه بالقاعدة الشرعية التي تقضي بأنه لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص.
وقد أصدر المشرع الإماراتي القانون رقم 3 لسنة 2003 بشأن تنظيم قطاع الاتصالات والذي تضمن النص في مادته رقم 72/2 بأن يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن 50 ألف درهم ولا تتجاوز 200 ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من استغل أجهزة أو خدمات الاتصالات بالإساءة أو الإزعاج أو إيذاء مشاعر الآخرين أو لغرض آخر غير مشروع».
وأشار الشريف إلى أن الوجه القانوني لجرائم الموبايل تختلف من نوع لآخر، حيث قال: «هذا النوع من الجرائم يختلف في تكيفه القانوني بحسب نوع الجريمة فإذا كانت تتضمن عبارات السب والقذف والإساءة إلى السمعة وإفضاء الأسرار فإنها تندرج تحت مسمى «الجرائم الواقعة على السمعة بالقذف والسب وإفضاء الأسرار.
والتي عاقب عليها قانون العقوبات الاتحادي بموجب نص المادة (374)»، أما إذا وقعت تلك الجريمة عن طريق نشر صور أو مقاطع مخلة بالآداب فإنها تندرج تحت جرائم «الفعل الفاضح والمخل بالحياء» المعاقب عليها بأحكام مواد قانون العقوبات الاتحادي الواردة في الفرع الثاني من الباب الخامس بشأن العقاب على جرائم الفعل الفاضح والمخل بالحياء».
تدخل متواضع
ويؤكد الشريف أنه بالرغم من تدخل المشرع الإماراتي بإصدار تشريعات خاصة لمواكبة الجريمة التقنية مثل جرائم الاتصالات أو جرائم الانترنت، إلا أن هذا التدخل لم يصل إلى الحد الذي يواجه تلك الجرائم المستحدثة الأمر الذي يؤدي إلى استفادة مرتكبيها من الثغرات القانونية للإفلات من العقاب.
وحول مدى انتشار مثل هذه الجرائم في الدولة والسبيل للحد منها قانونيا، قال الشريف: «تنتشر هذه الجرائم بصورة متزايدة وذلك لعدة عوامل منها ضعف الوازع الديني، وضعف رقابة الأسرة على الأبناء، والتطور التكنولوجي في أجهزة الهواتف النقالة التي زودتها بوسائل تقنية عالية تمكن ضعاف النفوس من استغلالها بصور غير مشروعة.
وضعف دور المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام السمعية والمرئية والمقروءة في إسداء النصح والتوعية حول مخاطر الاستغلال السيئ لأجهزة الهاتف المتحرك على الفرد والمجتمع، ويمكن الحد منها من خلال التنشئة الدينية الصحيحة للأبناء وتربيتهم على القيم والمبادئ والعادات والتقاليد الحسنة.
وكذلك قيام شركات الاتصالات بإلغاء بعض خواص الهاتف المتحرك التي تمكن الأشخاص من ارتكاب الجرائم المختلفة بالمبادئ والآداب، أو ابتكارها لوسائل فنية ذات تقنية عالية تتمكن من خلالها من حظر إرسال الرسائل المصورة التي تحمل مقاطع وصورة إباحية، قياساً بالنظام المعمول به على شبكة الانترنت.
الإناث أكثر تعرضاً لجرائم الموبايل
أوضحت دراسة جديدة بعنوان «الخوف من جرائم الموبايل» والتي قامت بها مؤخرا الطالبة فاطمة المحيان من جامعة الشارقة بأن الإناث يتعرضن لجرائم الهاتف المتحرك أكثر من الذكور، وبينت الدراسة أن ضعف الوازع الديني من أهم أسباب انتشار جرائم الموبايل في الدولة.
كما أظهرت الدراسة التي أجريت على عينة من 100 طالبة في الجامعة بأن الغالبية العظمى من أفراد العينة يمتلكون هاتف واحد مزود بكاميرا، ومن مستخدمي تقنية البلوتوث، وأن الأسواق التجارية تعتبر من أهم الأماكن التي تحدث فيها مثل هذه الجرائم، كما أكدت الدراسة على أن 50% من هذه الجرائم تقع في دائرة تبادل الصور والمقاطع الإباحية.
ودعت الدراسة إلى ضرورة تنمية الوازع الديني للحول دون انتشار مثل هذه الجرائم في المجتمع، وتنمية الوعي المجتمعي، وتوعية الفئات المستهدفة كالإناث وغيرهم بأخذ الحيطة والحذر والابتعاد عن الأماكن التي قد تعرضهم لجرائم الموبايل، وكذلك وضع البرامج الوقائية والعلاجية للفئات المعرضة للخوف من الجرائم المستحدثة خاصة جرائم الموبايل، وإصدار تشريعات تواكب تقدم الجرائم التقنية.
غسان خروب


