ليس غريبا ولا جديدا، أن يمتد الصراع العربي الصهيوني ليطال ساحات الإبداع بمختلف حقولها، فلقد شهدت مدينة القدس في الأيام الأخيرة أحد فصول التوتر الأدبي على كلا الجبهتين الغربية والشرقية، الفلسطينية والإسرائيلية، والذي احتدم هذه المرة بفعل مهرجانين أدبيين عقده كل طرف على حدا بالطبع، واعتمدا على دعم ومشاركة كتاب كبار جاءوا من أرجاء متفرقة من العالم على غرار بول أوستر وهيننغ مانكيل وجون برجر وجوناثان سفران فوير.

وكما هو متوقع ، شقت حالة احتدام التوتر الأدبي في القدس طريقها بسهولة إلى ساحة الرأي العام الغربي ووسائل إعلامها على مختلف أنواعها المرئية والمسموعة والمكتوبة، ومن بينها صحيفة (الباييس) الاسبانية، التي كتبت تحت عنوان (أدب الخنادق في الشرق الأوسط) أن (الاحتفاليتين عقدتا في الوقت نفسه، وفي المدينة نفسها، لكن لم يكن هناك، مع ذلك، ولا حتى إشارة أو إمارة على التعاون بين الواحد الآخر. المثقفون والقيمون على المهرجانين أداروا ظهورهم بعضهم بعضا، حيث يوضح هيننغ مانكيل لصحيفة الباييس الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة (ويقول) من الطبيعي أن يتجاوز المهرجان والمشاركة فيه إطار الأدب، فالمشاركة في هذا المهرجان أو المهرجان الآخر تعبر عن موقف سياسي.آمل أن يكون هناك مهرجان واحد في يوم من الأيام، لكني أخشى أن ذلك سيتطلب وقتا طويلا.

وهناك موقف آخر مماثل عبرت عنه تسيلا هايون، المديرة الفنية للمهرجان الإسرائيلي، التي قالت: يجب ألا يكون المرء ساذجا، فمن الواضح أن المؤلفين الذي يأتون إلى إسرائيل يرسلون رسالة سياسية. مع ذلك، فإن قيام مهرجانين في المدينة نفسها يشعرني بالإحباط، فنحن على بعد أمتار فقط وغير قادرين على التكلم مع بعضنا. مانكيل واحد من الذين شاركوا في مهرجان الأدب الفلسطيني الثالث ويقول إنه رفض دعوات إسرائيلية في دورات سابقة لأن ما يهمه، كما يؤكد، هو أن يسمع صوت الفلسطينيين، وهذا ليس موقفه وحده، فهناك نحو عشرين كاتبا قاموا بجولة في الضفة الغربية.

في نابلس، رام الله، الخليل أو جنين قرأوا أعمالهم وأقاموا ورشات عمل للجامعيين الفلسطينيين. الكثير من الكتاب يعتقدون أنهم يعرفون شيئا عن الصراع حتى يصلون إلى هنا، فرؤيته على الأرض أمر آخر مختلف ، هذا ما تؤكده الكاتبة البريطانية فكتوريا بريتاين التي شاركت في تنظيم المهرجان الأدبي الفلسطيني.

وهي تقول انها لم تعلم بوجود المهرجان الإسرائيلي إلا عندما وصلت القدس بينما يبدو لها أمرا منطقيا أن يتجاهل كل مهرجان المهرجان الآخر.

الكثير من المثقفين الفلسطينيين معزولون ومحاصرون والحواجز ونقاط التفتيش الإسرائيلية تحد من تحركاتهم، ولذلك فإن المسألة تتعلق بمحاولة الذهاب إلى حيث هم .

على الجانب الإسرائيلي، تحدث عشرات الكتاب على مدار أربعة أيام عن الأدب والسينما والإبداع، لكن السياسة كانت حاضرة في كل مكان في هذا الجزء من العالم، فلقد تسللت عبر جلسات كثيرة، إذ أعرب الأديب الأميركي بول أوستر عن عدم ارتياحه لهذا الوضع وعن مشاعر غير سارة راودته حيال رحلته إلى فلسطين وقال: الناس مستنزفون من استمرار هذا النزاع، ثمة شيء يجب أن يتغير .

لكن المؤكد هو أن التشاؤم حيال الوضع في الشرق الأوسط وانعدام الآفاق المشجعة لحل هذه المعضلة السياسية شكل أحد نقاط الاتفاق بين جميع الكتاب في هذا المهرجان أو ذاك حتى أن أحد الكتاب الإسرائيليين قال: قد لا يكون حلا سيئا العودة للعيش تحت سيطرة الانتداب البريطاني.

دبي- باسل أبو حمدة