عندما جلب البريطانيون عشبة عصا الراعي اليابانية إلى بريطانيا في القرن التاسع عشر لأغراض الزينة من باب الترف الزائد، لم يخطر ببال أحد أنها ستتحول إلى كابوس مرعب يقض مضاجعهم في يوم من الأيام.
لكن هذا ما بالضبط ما يحدث الآن، حيث تنتشر العشبة منذ سنوات طويلة بسرعة خارجة عن السيطرة، حتى باتت تكلف الحكومة أكثر من 150 مليون جينه استرليني سنوياً لمكافحتها ونزعها من الأماكن العامة.
والآن يستعد الباحثون للبدء بتجربة رائدة، في مجال ما يسمى بالمكافحة البيولوجية، لإطلاق حشرة مفترسة صغيرة مأخوذة من الموطن الطبيعي الأصلي لعشبة عصا الراعي في اليابان، للمساعدة في مكافحتها في البيئات البريطانية. ويوشك البرنامج أن يطلق الحشرة اليابانية في عدد محدود من الأماكن في بريطانيا، على سبيل التجربة، قبل تعميمه على بقية أنحاء البلد.
ومعروف ان أسلوب المكافحة الحيوية يستخدم كائنات مفترسة طبيعية لمكافحة الحشرات الضارة ؟ لكن هذه أول مرة يستخدم فيها هذا الأسلوب في الاتحاد الأوروبي لمكافحة الأعشاب الضارة.
ويقول هوار إيرانكا دافيس، وزير الحياة البرية البريطاني «هذه الحشرات الصغيرة جداً، التي تفترس عشبة عصا الراعي اليابانية، ستساعد في تخليص السلطات المحلية والأوساط الصناعية من عبء التكاليف الهائلة التي تتحملها الآن لمكافحة وإبادة هذا النبات المدمّر».
وكان هذا النبات الياباني، قد جلب إلى بريطانيا في العصر الفيكتوري، كنبتة زينة، لكن سرعان ما وجد طريقه إلى خارج الحدائق وبدأ ينتشر بسرعة مخيفة في مختلف أنحاء بريطانيا. والمشكلة انه ينمو بسرعة لا تصدق، ويدمر أي نبات آخر في طريقه. كما انه قوي وشرس جداً لدرجة انه يمكن أن يخترق الإسفلت والإسمنت، متسبباً بأضرار مكلفة في الأرصفة والطرقات والمباني.
لكن هذا النبات نفسه، في موطنه الأصلي اليابان، لا ينتشر بهذا الشكل الخارج عن السيطرة، وذلك بفضل وجود كائنات مفترسة طبيعية تضع توقفه عند حدّهً.
وكانت هذه النقطة التي انطلق منها الباحثون في منظمة «كابي» غير الربحية للأبحاث الزراعية في جهود البحث عن حل ناجع لمعالجة مشكلة عشبة عصا الراعي، حيث قاموا بالتمحيص في جميع المفترسين الطبيعيين لهذه العشبة الضارة - حوالي 200 صنف مختلف من الحشرات الملتهمة للنباتات و40 صنفاً من الطحالب ؟ على أمل العثور على كائن معين لديه شهية خاصة لنبتة عصا الراعي بالتحديد دون غيرها.
وبعد أن قام الباحثون باختبار تأثير الكائنات اليابانية المرشحة لهذه الوظيفة على 90 صنفاً نباتياً بريطانياً مختلفاً، بما في ذلك النباتات قريبة الصلة من نبات عصا الراعي الياباني والمحاصيل الزراعية ونباتات الزينة المهمة، اكتشفوا أن حشرة قشرية صغيرة تدعى «أفالارا إيتادروي»، تمثل أفضل عامل حيوي لمكافحة عشبة عصا الراعي اليابانية، حيث وجدوا ان هذه الحشرة تتغذى على نسغ العشبة الضارة متسببة في إعاقة نموها.
ويقول دكتور ديك شو، كبير الباحثين العاملين على المشروع في كابي، في حديث مع مجلة بي بي سي فوكس ان «اعتبارات السلامة تأتي عل رأس قائمة أولوياتنا. ومن حسن حظنا اننا عثرنا على حشرة موجهة ضد الهدف المطلوب بالتحديد دون إيذاء غيره، فهي تتغذى فقط على عشبة عصا الراعي ولا تقرب غيره من النباتات إلا ما ندر، وبالتالي ليس هناك خطر منها على النباتات الأخرى».
وبعد مراجعة المشروع من قبل اللجنات الاستشارية المختصة في شؤون البيئة، أعطت الحكومة البريطانية أخيراً موافقتها على المضي قدماً بإطلاق حشرة «ألفارا إيتادوري»، إلى الحياة البرية بموجب ترخيص خاص في إنجلترا، بانتظار قرار السلطات المختصة في ويلز في هذا الصدد.
وسيتم إطلاق الحشرات اليابانية المفترسة مبدئياً في بضعة مواقع معزولة تضم إلى جانب عشبة عصا الراعي اليابانية نباتات بريطانية أخرى قريبة الصلة منها للتأكد من استهداف الحشرة للعشبة المطلوبة فقط.
وإذا تكللت هذه المرحلة بالنجاح، ستطلق الحشرة اليابانية إلى مزيد من المواقع، لكن ستبقى تحت المراقبة المشددة لمدة خمس سنوات. ويتوقع الخبراء ان تظهر أول نتائج إيجابية للبرنامج على مستوى المواقع المحلية هذا الموسم، لكنهم يشيرون إلى أن المكافحة الحيوية عموماً هي استراتيجية بعيدة الأمد، وستحتاج من 5 إلى 10 سنوات حتى تظهر آثارها الحقيقية على مستوى البلد.
وتعتقد الحكومة البريطانية انه إذا نجحت هذه الخطة، فسوف تقلص تكاليف أعمال البناء والصناعات الهندسية، التي تنفق الآن أموالاً طائلة لإزالة العشبة الضارة المستشرية من مواقع المشاريع. لكن بعض المنتقدين يخشون ان يؤدي البرنامج إلى الإخلال بالتوازن البيئي الطبيعي في بريطانيا، كما حدث في السابق في العديد من تجارب المكافحة الحيوية الفاشلة في أنحاء العالم.
