الصلاة عبادة تقرب العبد من المولى عز وجل، وقد فرضها الله سبحانه وتعالى على عباده ليكونوا في حضرته أكثر قربا من أي وقت آخر، وبدون الصلاة بلا شك لا تستقيم حياة الإنسان ولا تصح أبداً، ورغم أهميتها ومكانتها العظيمة في القلوب، إلا أن الله سبحانه وتعالى قد رفعها عن البعض ممن أصابهم الحرج أو مرض، ومن هؤلاء المعاقين خاصة الذين يعانون من إعاقة عقلية.
ولكن في مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة قي دبي يبدو الأمر مختلفا، فقد عملت إدارة المركز على إنشاء مسجد متكامل يخدم أبناء المركز والمنطقة المحيطة، وقد تم بناؤه على نفقه فاعل خير تكفل بكل شيء فيه. ورغم أنه لم يمض على افتتاحه وقت طويل، إلا أنه تحول إلى منارة للعلم والمعرفة إلى جانب أداء العبادات، ففي ذات المسجد يجتمع كل يوم عددا من الشباب المعاقين لأداء العبادات التي فرضها الله تعالى علينا ولو بشكل بسيط، وهو ما يشير إلى مدى ارتباطهم بالله عز وجل. هذا الأمر لم يتوقف عند الصلاة فقط وإنما اتسع ليشمل قراءة وحفظ القرآن الكريم، حيث أبدى هؤلاء المعاقين همة عالية بهذا المجال ليتفوقوا فيه على الأصحاء أنفسهم، في ذات المسجد بدا الجميع أصحاء ومعاقين أسوياء أمام الله تعالى يسجدون جميعا لإله واحد، في منظر مؤثر في القلب.
فكرة حاضرة... البيان التقت مريم عثمان، مديرة مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة التي قالت: لقد كانت فكرة إنشاء المسجد حاضرة لدينا منذ اللحظة الأولى التي بدأنا فيها التخطيط لبناء المركز، بحيث يخدم المسجد أبناء المركز وكذلك المنطقة المحيطة به، خاصة وأنه يعتبر الوحيد بهذه المنطقة. ولعل المميز في هذا المسجد بأنه بني على نفقة فاعل خير تكفل بكل شيء فيه، على خلاف ما حدث في المركز الذي ساهمت فيه جهات كثيرة، وهو ما يلاحظه زائر المركز بأن كل غرفة أو قاعة فيه بنيت بتبرع من جهة معينة، ورغم أن بعض المعاقين الموجودين في المركز غير مكلفين شرعا بأداء المناسك الدينية والعبادات إلا أن بناء المسجد بمحيط المركز كان تعزيزا للجانب الديني لدى طلبتنا المعاقين.
بيئة مناسبة
وأضافت مديرة المركز: من خلال خبرتنا وممارستنا العملية، فقد وجدنا أن توفير البيئة المناسبة للمعاق يساعد كثيرا على دمجه في المجتمع، ولذلك يوجد ضمن خطط عملنا برنامج كامل ينظم زيارات مختلفة لهؤلاء المعاقين إلى مراكز التسوق وعدد من الشركات، بحيث يتعرفون خلالها على طبيعة المجتمع المحيط بهم.
والأمر ذاته ينطبق على المسجد، فذهاب المعاقين إليه وتعلمهم لأمور الطهارة والصلاة وقراءة القرآن الكريم وغيرها من الأمور الدينية بالتأكيد أنه يساهم في دمجهم في المجتمع المحيط بهم، خاصة وإنهم يلتقون فيه مع جنسيات مختلفة.
وحول مدى تقبل الطلبة المعاقين لذلك قالت مريم: الطلبة أحبوا الفكرة جدا، لدرجة أنهم ساعدوا عمال البلدية في زراعة الأشجار المحيطة بالمسجد، كما أنهم تقبلوا فكرة تعلم القرآن الكريم علي يد إمام المسجد، وقد شعرنا بارتياح أهالي عائلات المعاقين والجميع لذهابهم إلى المسجد، لأن الجانب الديني أساس الإنسان، ومن الجميل أن نعلمهم على العبادات والصلاة، خاصة وأن لدينا مسلمين من جنسيات مختلفة.
وأشارت إلى أن المركز يدرس حاليا التعاون مع دائرة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدبي، لأن يتم إدراج المسجد ضمن برنامج المحاضرات اليومية التي ستعقد في شهر رمضان المبارك، وذلك بغية تعميق الوعي لدى الأهالي خاصة فيما يتعلق بالمعاقين، إلى جانب أن يكون مركزا لتحفيظ القرآن الكريم للمعاقين والأسوياء معا.
قدرات عالية
وحول اختيار بعض المعاقين لتعلم «الإمامة» ومدى تأثير هذه الخطوة عليهم، قالت مريم: بالتأكيد أن لذلك وقعا خاصا في نفوس المعاقين، فعلى الرغم من أنه يجب أن تتوفر في الإمام شروط معينة، بتقديري أن الإعاقة إذا لم تكن عقلية لا تمنع أن يكون المعاق إمام للمصلين على الأقل بمن مثله، لان هذا يزرع الثقة فيهم ويساعدهم على إبراز قدراتهم.
وكما يقال إن الكل سباق إلى عمل الخير، وبناءً على هذا المبدأ فقد لعب إمام المسجد محمد أيوب دورا مهما في تدريب المعاقين على الصلاة وحفظ القرآن الكريم، وتهيئة بعضهم لأن يكون إماما في المستقبل، وحول ذلك قال محمد أيوب: في البداية ينبغي أن نعلم بأن الإسلام هو دين الإنسانية.
وقد وضع قاعدة قوية لكل المسلمين بأنه لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، والأمر ذاته ينطبق على المعاقين، ولذلك فهناك الكثير من المعاقين قد اثبتوا قدرتهم وهمتهم العالية للوصول إلى مرضاة الله، إلى جانب أن المعاقين لعبوا دورا مهما في التاريخ الإسلامي.
وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم بمعاملتهم معاملة حسنة، وألا نشعرهم بما فيهم من إعاقة، وهذا من أصول التربية وحسن العشرة مع المعاقين، وهذا الأمر شجعني على محاولة رفع همتهم والعمل على دمجهم في المسجد من خلال تشجيعهم على الصلاة وقراءة القرآن الكريم، وقد سألت في ذلك دار الإفتاء التي أيدت هذه الخطوة، وقد بدأنا بفضل الله تعالى بتدريب أحدهم على قراءة القرآن الكريم وحفظة.
وقد أبدى همه عالية في ذلك، حاليا نخطط مع إدارة مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة لاصطحاب بعض الشباب لقضاء مناسك العمرة، بحيث يتسنى لهم رؤية الكعبة والصلاة فيها، وما زالت هذه الفكرة قيد الدراسة وسيتم ذلك بالتعاون مع دائرة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدبي.
الحكم الشرعي
بعد افتتاح مسجد المركز دأب أبناء المركز على الإقبال عليه والالتزام بالصلاة فيه، وحول ذلك قال أيوب: يجدر بنا أن نعلم بأنه كحكم شرعي فقد رفعت الصلاة عن بعضهم، ولكن البعض الآخر «خاصة من كانت إعاقتهم غير عقلية»، فهؤلاء تجب عليهم تأدية الصلاة.
وبالتالي فيجب علينا تشجيعهم على أدائها، وان لم يكونوا مكلفين بها، فلا مانع من أن يتعلم المعاق حركات الصلاة وكيفية تأديتها مثل الأسوياء، ومن الضروري أن يعرف بأن هذه الحركات تعني الصلاة، وأنه يوجد قبلها وضوء ضمن حركات معينة، وان هذه الصلاة لله سبحانه وتعالى.
ولذلك نحاول بالتعاون مع إدارة المركز تقييم كل حالة ومعرفة احتياجاتها، فهناك بعض الإعاقات ينبغي أن نعلمها الصلاة بشكل كامل، في حين أن بعضها يستوجب تعليمها الصلاة بنسبة 50%، بحيث يتعلم ويدرك بأنه إذا فعلها سيعطيه الله سبحانه وتعالى الحسنات الكثيرة، وهذا ما نطمح إليه إن شاء الله.
سعادة وشرف
قال محمد سهل، والذي يعاني من إعاقة حركية بأنه سعيد للغاية لأن الله عز وجل مّن عليه بتعلم القرآن الكريم، وقد تمكن من خلال التدريب المستمر تحت إشراف إمام المسجد محمد أيوب أن يحفظ صورة الفاتحة وقصار السور، ويجتهد حاليا على تعلم سور أخرى من القرآن الكريم.
وكان محمد قد شارك في افتتاح حفل التكريم الذي أقامه مركز راشد مؤخرا في برج العرب لتكريم المؤسسات الحكومية، من خلال قراءة آيات من القرآن الكريم، وأشار محمد إلى أن الله قد شرفه بذلك، وأكد بأن الإعاقة مهما كان نوعها لا يمكن أن تقف حاجزا أمام تطور المعاق خاصة عندما يتسلح بالإرادة الصلبة.
دبي - غسان خروب


