لم يكن «إيلانيو»، الوشق الرشيق، البالغ من العمر عاماً واحداً، ضيفاً ثقيل الظل على المكان الذي يتحرك فيه، عندما تجاوز السياج، الذي وضعه خبراء حماية البيئة في متنزه «سيرا دي أندوجار» الطبيعي في إسبانيا، الذي قصدوا من ورائه إبعاد الثعالب والخنازير البرية عن المكان، وليس الوشق، بل إنهم ملؤوا المتنزه بالأرانب اللذيذة، التي تشكل الغذاء الرئيس للوشق، فهو لا يتكاثر إن تناقصت أعداد الأرانب، ويحتاج الوشق في غذائه إلى أرنب واحد في اليوم، لكن أنثى الوشق مع أشبالها الصغار يحتاجون إلى أرنبين أو ثلاثة أرانب في اليوم الواحد.

عاشت الأوشاق الأيبيرية، ذات العيون الذهبية اللامعة، في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط منذ أكثر من مليون عام، وهي تعاني الآن من خطر الانقراض، وينطبق هذا بصفة خاصة على الأوشاق التي تقطن إسبانيا والبرتغال، حيث لا تتجاوز أعدادها في الوقت الحالي 225 وشقاً، وعلى الرغم من أن هذا العدد يزيد ب125 وشقاً عن عددها قبل عشر سنوات، إلا أنه لازال تحت الحد الأدنى، الذي يمكن القول من خلاله أنها ستتكاثر وتعيش، على المدى البعيد بشكل طبيعي، وأنها صارت بعيدة عن خطر الانقراض.

ومن عوامل الخطر التي تواجهها الأوشاق الأيبيرية خطر الصيد، فهو يعتبر أجمل حيوان في فصيلة الأوشاق، ما جعل الإنسان يسعى لاصطياده، طلباً لجلده الأصفر أو الأحمر، وكذلك تقلص مواطنه الطبيعية في غابات جبال «البيريني» و«السييرا نيفادا»، وأيضاً تعرضها للدهس من قبل سائقي السيارات على الطرقات، وكذلك اعتمادها في الغذاء بشكل كبير على الأرانب فقط وبنسبة 93%، والتي بدورها تعاني من الصيد الجائر والأمراض.

لا يوجد هناك الآن سوى موطنان محميان للوشق في إسبانيا، وتقوم مجموعة «لينكس لايف» بتربية وإكثار أعداد الأرانب في محميات الوشق، ضمن تعهد ألزمت به نفسها لحماية الوشق من الانقراض، وقامت بنقل تلك الأوشاق إلى مناطق مسيجة، مليئة بالطرائد. وتأمل المجموعة في المستقبل القريب أن تطلق سراح الأوشاق إلى البرية.

يبلغ طول الوشق الأيبيري، أو الإسباني، ما يتراوح بين 85 و90 سنتيمتراً، ويزن ما متوسطه 15 كيلوغراماً، ويشترك في العديد من المواصفات مع الأوشاق الأخرى في مناطق العالم، إلا أنه يختلف عنها من ناحية اللون وبعض المواصفات الأخر.

وكشفت أحدث الدراسات أن هناك 188 نوعاً من الثدييات المدرجة ضمن الأنواع المهددة بخطر الانقراض الداهم، ومنها الوشق الأيبيري. كما وضعته مجلة «العلوم الأميركية» ضمن أكثر 10 حيوانات مهددة بالانقراض في السنوات العشر المقبلة.

وشملت القائمة عدداً من الحيوانات الأخرى، ومنها القرد المسمى «إنسان غابات سومطرة»، الذي تنخفض أعداده بنسبة 1000 فرد في العام الواحد، بسبب حرق الغابات وقطع الأشجار، وغزلان المهر التي تقل أعدادها الحالية عن 100 غزال، تنتشر في تشاد والنيجر.

ويحذر الصندوق العالمي لحماية الحياة البرية من أن موطني الأوشاق في جنوبي إسبانيا لن يكون بإمكانهما إنقاذها من الانقراض، ما لم تتخذ إجراءات أوسع نطاقاً. ويحث الصندوق الحكومة الإسبانية على تطبيق برنامج التربية في الأسر في حالة الطوارئ، والعمل مع الجهات الأخرى، وتفعيل برامج إدارية أكثر فعالية، لتوفير موطن مثالي لمعيشة تلك الأوشاق الجميلة.

وقد ساهم صندوق الحياة البرية العالمي في الحفاظ على الوشق الأيبيري عن طريق رعاية ودعم مبادرة «لارج كارنيفور» الأوروبية، التي تمخضت عن خطة لحماية الوشق الأيبيري، ضمن فصائل أخرى مهددة بالانقراض من الحيوانات.

يعتبر الوشق الأيبيري من أبناء عمومة الوشق اليوروآسيوي، وكذلك الوشق الكندي، والوشق الأميركي، ويبلغ حجمه تقريباً حجم الوشق الكندي نفسه، ونصف حجم الوشق اليوروآسيوي، الذي يعيش في وسط وشرق أوروبا.

وتكمن أهمية الوشق الأيبيري في أنه يقوم بقتل حيوانات أخرى من آكلة اللحوم مثل الثعالب، والنمس المصري والقطط والكلاب البرية، وغيابه من الطبيعة يعني تزايداً كبيراً في أعداد تلك الحيوانات وتناقصاً كبيراً في أعداد فرائسها، وعلى رأسها الأرانب. ومن الحقائق الطريفة عن الوشق أن أنثاه تحمل أشبالها وتنقلهم إلى أكثر من 12 بيتاً، خوفاً من تعرضهم لهجمات حيوانات أخرى.

إعداد: يوسف جباعته