ترى المؤمن عليهم صحياً « صيداً» سهل المنال

مستشفيات تبتز المرضى وتستنزف شركات التأمين

صورة

يلجأ المريض إلى المستشفى يعاني وعكة صحية بسيطة، فيتفحص موظف الاستقبال ملفه... يجده يحمل بطاقة تأمين صحي، فيحوله على الفور إلى طبيب بعينه، لإجراء الكشف الطبي عليه.

وبعد الكشف يطالبه الطبيب، بعمل سلسلة لا نهائية من الفحوصات والتحاليل، التي تدر على المستشفى آلاف الدراهم أرباحاً، ولا تكلف المريض شيئاً... لأن التأمين الصحي سيتكفل بالأمر كله.فمنذ تطبيق التأمين الصحي الإلزامي في إمارة أبوظبي، ومع زيادة عدد المؤسسات التي تؤمن على موظفيها في مختلف إمارات الدولة، وبعد أن أصبحت «كعكة التأمين» كبيرة وسهلة، برزت أخلاقيات جديدة في أنماط التعامل مع المرضى في بعض المستشفيات، وأصبح استنزاف شركات التأمين، مسلكاً يقوم به البعض، دون أن تهتز له شعرة، ودون أدنى تفكير في الضرر الذي يلحق بالاقتصاد الوطني، الذي تعد شركات التأمين من ضمن عناصره المهمة.هذا الوضع الجديد، دفع عدداً كبيراً من شركات التأمين إلى الخروج من سوق التأمين الصحي، لتجنب الخسائر الكبيرة التي تلحق بها.

فيما لجأت شركات أخرى لرفع أسعار استمارات التأمين، إلى أرقام فلكية، مما أصبح يشكل عبئاً كبيراً على ميزانية الأشخاص والمؤسسات الراغبة في تحقيق الرضا الوظيفي للعاملين بها، وأصبح المستفيد الوحيد بعض المستشفيات والصيدليات، التي ضربت بأصول وأخلاقيات الطب عرض الحائط، وجعلت حاملي وثائق التأمين، صفقات تجارية يجب انتهازها والاستفادة منها، بأية وسيلة.

في هذا التحقيق... يتحدث حاملو بطاقات تأمين عن تجاربهم مع مؤسسات علاجية خاصة، ويكشف أحد مسؤولي شركات التأمين عن بعض الوسائل التي تستخدمها المستشفيات للاحتيال على قوانين التأمين، وتتناول هيئة الصحة في إمارة أبوظبي أبرز الجهود المبذولة للتصدي للمشكلة، ونوعية الإجراءات العقابية التي تتخذ ضد المتلاعبين بالقانون.

تهويل الحالة المرضية

تقول مروه عزب: منذ نحو عامين توجهت بابني الأكبر إلى أحد المستشفيات الخاصة بأبوظبي، بعدما لاحظت أنه يعاني انتفاخاً مفاجئاً في الخصية، كان الولد آنذاك يبلغ من العمر سنة وبضعة أشهر، وبعدما رآه الطبيب، طلب مني عمل بعض الفحوصات، وبعدئذ فوجئت به يقول: الطفل يعاني من وجود تجمع دموي يحيط بالخصية، وهو أمر بالغ الخطورة، وقد يؤدي إلى العقم مستقبلاً، ولابد من جراحة بأسرع ما يكون.

وتضيف: تم تحديد موعد الجراحة بعد أسبوع، وعدت إلى بيتي أحمل طفلي الرضيع بين يدي، ورياح القلق تعصف بي، ثم توجهت إلى دبي حيث كنت أقيم، وفي الطريق أخذت أتجاذب أطراف الحديث مع زوجي، حول مستقبل طفلنا الأول والوحيد آنذاك.

في الصباح الباكر، سيطر علي هاجس التوجه بالطفل إلى مستشفى البراحة الحكومي، وهناك تم عرض الرضيع على طبيب ممارس عام، فقال لي: لا يوجد أي سبب لإصابة طفل بتجمع دموي في هذه المنطقة الحساسة، إلا أن يكون قد تعرض لضربة عنيفة تسببت في نزيف داخلي، وكل ما في الأمر أن هناك تجمعا مائيا يمكن سحبه بواسطة جراحة بسيطة، من جراحات اليوم الواحد.

سألته: ولماذا قال لي الطبيب ما قاله وهو استشاري كبير؟

أجاب: حسبنا الله ونعم الوكيل... إنه يريد عمل فاتورة كبيرة يرسلها لشركة التأمين، بغض النظر عما يلحق بالأبوين من خوف وأذى.

وتتابع: تشككت في الأمر بعدما أصبحت أمام رأيين، فتوجهت بالرضيع إلى مستشفى المفرق بأبوظبي، وعرضته على واحد من أكبر المختصين بجراحة الأطفال في الدولة، فأكد لي أن الأمر بسيط، واتفق مع رأي مستشفى البراحة بأن الطبيب في المستشفى الخاص، لجأ إلى إشاعة الرعب في نفسي للإسراع بالجراحة، ومن ثم تحصيل قيمتها من شركة التأمين.

بعدئذ أجريت لابني الجراحة في مستشفى المفرق، وخرج في اليوم ذاته سليماً لا يعاني من أية أعراض، وهذا بعض من الكثير مما يتعرض له المرضى بسبب جشع بعض المتربحين من وراء مهنة الطب.

ويروي عتيق سالم المهيري «موظف بشركة نفط» قصة أخرى تتلخص وقائعها في أنه لاحظ قبل فترة إصابته بزوائد جلدية صغيرة حول عينيه، فتوجه إلى أحد أطباء التجميل، وبعد أن أجرى فحصاً لنسبة الكولسترول في الدم، قال له الطبيب: لا يوجد سبب مرضي، وبوسعك الخضوع لجراحة يتم بموجبها إزالة هذه الزوائد بواسطة موجات الراديوم.

ويضيف: توهم الطبيب أني قد أرفض الجراحة كونها غير مغطاة بالتأمين، فأبلغني أنه سيرسل لشركة التأمين تقريراً يفيد بأني مصاب بخراج في الرقبة، مما سيرغمهم على قبول تحمل النفقات... لكني رفضت اللجوء إلى هذه الحيلة الرخيصة، وسددت قيمة الجراحة التي بلغت 2500 درهم من جيبي الخاص.

الروح المعنوية

ويرى محمد معاذ أدلبي «تاجر» أن لجوء بعض المستشفيات إلى التهويل، لا يشكل جريمة في حق شركات التأمين فقط، فالمريض أيضاً يتضرر حيث قد يؤدي إخضاعه لعدد كبير من الفحوصات، إلى تحطيم حالته المعنوية، وبالتالي تفاقم حالته الصحية.

ويقول: كثيراً ما نقرأ عن أن رفع الروح المعنوية للمريض، قد يساهم في علاج حالته المرضية، وهناك مدارس طبية حديثة تعالج بالإيحاء، وعبر استخراج طاقة الإنسان الكامنة، ولو عكسنا الصورة، ونظرنا إلى حالة مرضية تعرضت لإحباط ومخاوف، وتسرب إلى أعماقها شعور بأنها على شفا أمر خطير، فإنه من المؤكد أن قدراتها على التعافي ستتراجع إلى أقصى درجاتها، وهو الأمر الذي يشكل جريمة طبية بكل المقاييس.

ويؤكد بارديب كومار «مدير بشركة مقاولات» أن بعض الصيدليات أيضاً قد دخلت اللعبة، سعياً وراء التهام الكعكة الناضجة السهلة، فأصبحت تصرف للمرضى أدوية غير مشمولة بالتأمين، مع تغيير مسماها حتى لا تخضع لمساءلة شركات التأمين.

وهناك بعض الأشخاص يقومون بشراء الأدوية لأصدقائهم غير المؤمن عليهم، ومن ثم بيعها لهم بأسعار أقل من نصف سعرها الأصلي، وهناك مستشفيات لا تدقق في هوية حامل بطاقة التأمين، فيتم تقديم العلاج لأخ ببطاقة أخيه، وكلها بطبيعة الحال سلوكيات غير قانونية وليست أخلاقية، لكن البعض يفقد ضميره أمام بريق المال.

ويقول بدر محمد «مدير مبيعات بشركة لبيع الأثاث المنزلي» : إن ما يحدث تحت ستار التأمين الصحي يستدعي تشديد الإجراءات العقابية على كل مؤسسة علاجية تتجاوز وتتغاضى عن الأصول والأسس الأخلاقية المتعارف عليها في مجال الطب، وهناك ضرورة حتمية لحماية شركات التأمين كونها رافداً مهماً يساهم في دعم اقتصاد الدولة.

ويضيف: من حق المرضى حاملي وثائق التأمين أن يحظوا بالعلاج اللائق والمنصوص عليه في وثائق، ومن حق شركات التأمين أيضاً أن تجني أرباحاً لأنها في نهاية الأمر مؤسسات ربحية، وفي حال تعرض أي من الطرفين لغبن من أي نوع، يجب البحث عن أسباب الخلل، ومن ثم السعي لاستئصالها.

ويعتقد أيمن عمر «مدير علاقات عامة في مؤسسة خاصة» أن المشكلة لا تكمن في تحايل بعض المستشفيات على قوانين التأمين فقط، وإنما في تعمد بعض المرضى الحصول على خدمات لا حق لهم فيها.

فبعض المرضى يطالبون الأطباء بصرف مكملات غذائية ومستحضرات تجميل وما إلى ذلك من منتجات غير مشمولة بالتأمين، وكثيراً ما يرضخ أطباء لمطالب مرضاهم عملاً بقاعدة « إرضاء الزبون» ويقومون بكتابة وصفات طبية وهمية تغطي سعر المراد المطلوبة، ثم يخاطبون الصيادلة وهم في الأغلب تابعون للمستشفيات التي يعملون فيها، بصرف أشياء أخرى مع الاحتفاظ بالوصفة الطبية المزورة لتقديمها لشركات التأمين.

التحايل على شركات التأمين ظاهرة عالمية

قال علي حسين مدير دائرة التأمين الصحي في شركة الظفرة للتأمين بأبوظبي: إن ظاهرة التحايل على شركات التأمين تمثل ظاهرة عالمية، ولا تقتصر فقط على التأمين الصحي، وإنما على كل المجالات.

وأضاف: بالنسبة لإمارة أبوظبي يمكن القول أن الجهود التي تقوم بها هيئة الصحة قد ساهمت في تقليص الظاهرة إلى حد كبير، وهناك دائما قنوات اتصال مفتوحة بين الهيئة وشركات التأمين لتلقي الشكاوى والإبلاغ عن أية تجاوزات يتم رصدها.

وأشار إلى أن قطاع العلاج الخاص في إمارة أبوظبي يعاني من مشكلة أن الطلب على الخدمات أعلى من العرض، مما ساهم في قيام عدد من المستشفيات الخاصة برفع أسعارها مرتين خلال العام الماضي، وقد بلغت نسبة الارتفاع نحو 70% في بعض الحالات، مما يشكل ضغطاً كبيراً على الشركات المعتمدة من قبل هيئة الصحة لتقديم خدمات التأمين، والتي يبلغ عددها أكثر من 30 شركة.

وقال: إنه على الرغم من أن المستشفيات رفعت الأسعار إلا أن شركات التأمين لم تقم بالأمر ذاته، نظراً لأن التنافس في هذا القطاع يتسم بالشراسة، معرباً عن توقعاته بأن تشهد أسعار البوالص زيادة في وقت لاحق، لأنه ليس بوسع شركات التأمين تحمل الزيادة وحدها.

هيئة الصحة: حملات التفتيش دورية ومكثفة ولا تهاون مع المخالفات

يقول المهندس زيد السكسك مدير عام هيئة الصحة بأبوظبي: إن الهيئة تولي اهتماماً كبيراً بأن تضبط قطاع التأمين، بما يكفل حقوق أطرافه الثلاثة المتمثلة في المريض وشركات التأمين والمستشفيات، وهناك حملات تفتيشية دورية يقوم بها موظفو قسم التدقيق التابع لقسم التدقيق التابع لإدارة تنظيم الضمان الصحي في الهيئة.

ولا تتهاون الهيئة مع أية مخالفة يتم رصدها خلال الحملات التفتيشية، وتعتمد على سياسة العقوبات المتدرجة التي تبدأ بالغرامات المالية تجاه المخالفات البسيطة، وتصل إلى تحويل بعض المخالفين إلى النيابة والجهات المختصة في الدولة بهدف توجيه الاتهامات الجنائية في حال ارتأى مسئولو الهيئة أن المخالفات نجمت عن تعمد التزوير أو التحايل على القوانين.

ويضيف: إن إنكار وجود مخالفات تعتري تقديم خدمات التأمين الصحي، هو بمثابة دفن للرؤوس في الرمال، ويمكن إجمال معظم المخالفات في: حصول بعض المؤسسات العلاجية الخاصة على رسوم خدمات لم يتم تقديمها، وتقديم أدوية غير مشمولة بالتأمين بعد استبدال الوصفات العلاجية، وهناك مخالفات تتعلق بقيام شركات بعدم تجديد بطاقات التأمين لموظفيها، وشركات تأمين امتنعت عن تسديد المبالغ المستحقة عليها.

ويؤكد أن هيئة الصحة تنظر إلى كل مخالفة على حدة، وترفض مبدأ التهاون في أي حق من حقوق أطراف التأمين، وتستند إلى القوانين التي تنظم قطاع التأمين الصحي في أبوظبي، وتنطلق في عملها من منطلق مبادئ الدولة وحرصها على تقديم الخدمات العلاجية عالية الجودة.

ويتابع: تأكيداً لما أقول فإن الفرق التفتيشية التابعة للهيئة ضبطت مؤخراً 38 مخالفة، وحررت عقوبات ضد 18 مخالفاً، وتمثلت العقوبات في غرامات مالية تراوحت ما بين عشرة إلى عشرين ألف درهم ضد مستشفيات، وفضلا عن مخالفتين تم تحريرهما ضد شركتين، وتم بموجبهما إلزامهما بتسديد 70 ألفاً و90 ألفاً.

كما أحالت الهيئة بعض المخالفات إلى محكمة جنح أبوظبي التي أصدرت أحكاماً بتغريم طبيب مبلغ 10 آلاف درهم لحصوله على قيمة خدمات علاجية لم تقدم للمريض وقيامه بتزوير بعض المستندات، كما أصدرت حكماً آخراً بحبس متهمين مدة شهرين وإبعادهما عن الدولة وذلك بسبب إصدار بطاقات ضمان صحي مزورة، وأمرت المحكمة بإتلاف تلك البطاقات نتيجة التحايل على شركة التأمين لإصدار بطاقة تأمين صحي بناءاً على مستندات مزورة.

أبوظبي- محمد مصطفى موسى

طباعة Email
تعليقات

تعليقات