البيوت في صنعاء القديمة تبدو من بعيد كأنها بيوت في قصة خرافية، بطوبها الذي يحمل لون الشوكولاته والمتخذ من الطين والقش، وبالجبس الأبيض الذي يتخلل ذلك الطوب ليجعله متماسكاً، وبنوافذها شديدة التميز، إلا أن تلك البيوت تعد بحق عجيبة من عجائب الدنيا، وتحفة نادرة تقدمها اليمن للعالم، لكن علامة الاستفهام الكبيرة التي تطرحها هذه البيوت تدور حول مدى قدرتها على الصمود والبقاء من أجل أجيال المستقبل.

يقف عبدالله لطف زايد أمام البوابة الوحيدة التي بقيت من بوابات المدينة القديمة السبع، ويشير باصبعه للبيت الذي ورثه عن جدته. وهذا البيت مكون من أربعة طوابق، ويطل على السوق، وهو واحد من 7500 من المعجزات المعمارية التي شكلت نسيج صنعاء القديمة، ومنحتها شهرتها العالمية، وجعلتها تصنف ضمن مواقع التراث العالمية المحمية، ودفعت كاتباً شهيراً مثل الروائي الأميركي إرنست همنغواي إلى أن يقول عنها إنها أجمل مدينة رأتها عيناه.

عاشت تلك البيوت زمناً طويلاً، وتناوبت على السكنى فيها أجيال وأجيال، لكن الحداثة لم تؤثر فيها، بل حافظت على نسقها ونكهتها المميزة. غير أن البيوت القديمة منها، التي يعود عمرها لألفي عام، تحتاج إلى الحماية الآن، التي قد لا تتوفر بسهولة، بسبب عدم توفر المال والوقت، وغياب الاهتمام الحقيقي عن الدوائر الرسمية المعنية، ما يعرض صنعاء القديمة وتراثها المعماري لخطر لم تشهد مثله مسبقاً.

كما أن هناك عوامل أخرى عامة، منها عدم الاستقرار الاقتصادي والإداري في اليمن، وانتشار البطالة بشكل كبير بين الشباب حيث يصل معدلها إلى 40%، وكذلك مستوى سوء التغذية، الذي يعتبر ثالث أعلى مستوى في العالم.

كل هذه العوامل غيبت الاهتمام بالتراث المعماري عن صنعاء القديمة، وأخيراً، تم إخلاء 360 مسكناً من تلك البيوت التراثية من سكانها، لأنها آيلة للسقوط في أية لحظة، وتعرض نظام نقل الماء في صنعاء القديمة للخراب، وبالتالي صار مصدراً من المصادر التي تهددصنعاء القديمة كلها، حيث أن الرطوبة بدأت تصل إلى أساسات تلك البيوت.

وعندما استنجد أحد سكان صنعاء، والذي أقام في بيت كان في الماضي قصراً للإمام ناصر محمد بن القاسم، حاكم صنعاء قبل 800 عام، بهيئة المياه عام 2001، لتحل له مشكلة المياه، التي بدأت تتسرب للأساسات، لم يلتفت لشكواه أحد، والآن تساقطت نصف حجارة القصر تقريباً، ويمكن للزائر للقصر أن يرى النقوش المهيبة على الجدران، ومنها نقش يصور خاتم سليمان، الذي يعتقد أنه يجلب القوة، ويحمي من سطوة الجان.

في عام 2001 كان يمكن لساكنه عبدالله غُثيم أن يقوم بإجراء عمليات صيانته مقابل مليون ريال يمني (3200 جنيه استرليني)، لو توفر المال، أما اليوم، فلكي يعيده كما كان باستخدام الطوب الأصلي، فإنه سيحتاج لسبعين إلى ثمانين مليون ريال.

كما أن عدم توفر النوعية الصحيحة من الطين المخلوط بالقش وروث الجمال بالشكل الكافي، ونقص الأيدي العاملة الماهرة يجبران الكثير من الناس على استخدام الاسمنت، والطوب الحديث لترميم بيوتهم وصيانتها على اعتبار أن هذه المواد متوفرة بشكل أكبر، كما أنها رخيصة الثمن.

يوسف جباعته