أن تكون سعيداً مسألة غاية في الأهمية، ولكن أن يكون مصدر هذه السعادة عمل قمت به أنت ورسمت من خلاله ابتسامات فرح على وجوه معذبة أدمنت الحزن لفترة طويلة، هذا بالتأكيد يمثل ذروة السعادة ومنتهاها.
وتبدأ الحكاية عندما امتشق ثلة من الطلاب المواطنين من كليات التقنية العليا في الشارقة أحلامهم البسيطة وارتحلوا نحو جنوب الأرض في كينيا هناك حيث لايزال القمر قادراً على إلقاء نوره على مساحات خالية أكبر من أي مكان آخر.. ولكنه يأبى أن يكشف ضياؤه أماكن مزدحمة يسكنها الفقر بشدة.. هذه الأماكن التي يمم طلابنا وجوههم صوبها ليصنعوا حلمهم بالسعادة الأبدية عبر إدخال الفرح إلى قلوب لم تختبره منذ فترة طويلة، حيث تحولت كل حبة رمل اختلطت بعرقهم خلال بنائهم المنزل في إحدى القرى الكينية إلى «مدماك» لصنع القلوب الناصعة التي تبني فرحتها على فرح الآخرين لا أحزانهم.
استقبال حافل
أهالي القرية استقبلوا فريق كلية تقنية الشارقة بالغناء والرقص والذي شاركت فيها نساء ورجال القرية، وفي اليوم الأول قام الفريق بإزالة المطبخ والذي كان عبارة عن كوخ صغير ليقوموا ببناء غرفة لجوزيف وزوجته، ووضع قواعد منزله الجديد.. «هذا هو أصعب جزء في هذا المشروع وضع أساسات البيت».. قال عبد الله الحريمل الطالب في برنامج إدارة الأعمال.
وأضاف: «إن حفر الأساس كان من أصعب المراحل في العمل لقد أخذ الكثير من وقتنا للتأكد من أننا نقوم بالعمل على الوجه الصحيح، وبشكل أكثر أمناً، إنها حياة عائلة بأكملها وهذا العمل ليس تسلية».
محمد يعقوب طالب في كلية الهندسة يقول: سمعت أن هناك رحلة إلى خارج الدولة تنظمها الكلية لكنها ليست رحلة عادية، فالهدف السامي جعلني أتشبث بالمشاركة، فالفكرة اختلفت عن غيرها من الأفكار كيف لا وهي التي تسعى من خلالها الكلية إلى بناء بيت لأحد فقراء القرى البعيدة في كينا.
وأضاف: «خلال فترة الرحلة كنا نعمل بيد واحدة نجهز مواد البناء، نحفر، نقيس، وعيوننا إلى تلك الأسرة التي استضافتنا بقلبها قبل بيتها القروي المتهالك إلا من طيبة أهله الذين يعيشون على سجيتهم»، ويرى أن التجربة فريدة، مبتكرة، علمتهم كيف يعيش بعض الناس في الجانب الآخر من العالم وأنه يمكن لهم تقديم الكثير لخدمة البشرية.
رضا وقناعة
كيف يمكن لأسرة لا تملك من مقومات الحياة شيئاً أن تعيش بهذا الرضا والقناعة وتعرف معنى السعادة الحقيقية؟ سؤال تردد في ذهن محمد علي أحد الطلاب الذين شاركوا في المهمة الإنسانية الذي قال انه عاد ليخبر أسرته وأصدقاءه عن أهل القرية وأوضاعهم، وأضاف: «إن أسرة جوزيف الرجل الكيني الفقير كانت في غاية الامتنان لأننا بنينا لهم منزلاً وكنا نحن من ينبغي لنا إن نشكرهم على ما تعلمناه من هذه التجربة التي تستحق التكرار».
ولم يكن عبد الله محسن، طالب في قسم إدارة الأعمال يتوقع يوماً ما أن يبني بنفسه منزلاً لأحد الفقراء، إحساس مغاير ولذة قال إنه لا يعادلها شيء، فالتبرع بمبلغ مادي أمر اعتيادي نمارسه لكنه لا يعطيك نفس الإحساس، مضيفاً أنه عايش نمط الحياة البدائي واستطاع مع زملائه رغم صعوبة المهمة إنجازها بل والفخر بها.
ويعتقد جابر محمد طالب في السنة التأسيسية أن مساعدة المحتاجين مسألة في غاية الأهمية، ووصف التجربة بالممتعة والمحزنة في آن ففقر الأسرة كان مصدر حزن عميق لكنه كان أيضاً دافعاً كي تتم المهمة رغم قصر المدة التي قضوها هناك.
وقال: سأختصر ما استفدته من تجربتي في جملة واحدة وهي أن ما عايشته وما شعرت به في القرية الكينية قصة سأرويها لأبنائي لأنها تستحق أن تروى.
وقال عبد الرحمن الغانم: شعرنا بسعادة ونحن نرسم البسمة على وجوه الفقراء وهي تجربة غنية فتحت آفاقنا على نوع الحياة التي يعيشها آخرون وعلى حياتهم هم ومدى الرفاهية التي يتمتعون بها.
تجربة جديدة بكل المقاييس
لم تكن التجربة التي خاضها طلبة كليات التقنية العليا في الشارقة غريبة وجديدة من حيث وجهتها فحسب حيث حطت رحالهم في كينيا؛ بل كانت غريبة أيضاً في مقصدها وذلك لأنها جمعت شمل الشباب المواطنين ليبنوا عشاً لأسرة فقيرة في جنوب الأرض.
المرتحلون العشرة أجمعوا على أن الفرصة التي منحتهم إياها إدارة الكلية تمثل المضمون الحقيقي للدور والمهمة التي تعد الكلية طلابها لها، وهو أن يكونوا أصحاب موقف إيجابي في الحياة.
وقد أمضى الفريق ثمانية أيام في بناء منزل للأسرة المعوزة بإشراف مؤسسة هابيتات لبناء من أجل الإنسانية، ويأتي هذا المشروع ضمن فعاليات «موزاييك 2010 تعرف على عالمك» والذي أقيم هذا العام تحت شعار «روح العطاء»، وقد ركز الفريق على بناء منزل لعائلة تتكون من الزوج جوزيف وزوجته وطفلين ويقع المنزل في بلدة صغيرة تسمى تشوكا في إقليم إمبو.
نورا الأمير

