يحرص حميد وهو حارس إحدى البنايات السكنية في إمارة الشارقة على التقاط كل ما تقع عليه عيناه من ورق، ليس حرصاً منه على نظافة المكان وهو الدور الذي يؤديه بأمانة مطلقة، وإنما أملاً في تحسين دخله الشهري من خلال تجميع أوراق الصحف والمجلات وبعض الأصناف الأخرى من الورق، وبيعها لمتعهدي تجميع النفايات الورقية أو البلاستيكية أو المعدنية في منطقة الرولة بالشارقة أو في الصناعية.

وهم بالتأكيد من الجنسيات الآسيوية الذين يجمعون في الأسبوع الواحد آلاف الكيلوغرامات من الورق والمعادن قبل أن يتم ترحيلها إلى دولهم أو إلى دول آسيوية أخرى من أجل الاستفادة منها في إعادة التدوير. تجارة مربحة حميد يبتاع كيلو الورق من الصحف التي يجمعها بنصف درهم، وخلال الشهر الواحد يتمكن بحرصه البالغ من تجميع مئات وربما آلاف الكيلوغرامات من تلك الأوراق، وبالتالي فهو يضمن لنفسه دخلاً إضافياً يوازي مرتبه الشهري. حيث يؤكد أن بعض العمال الآسيويين من أصدقائه قد جمعوا على مدى.

وأن تلك البضاعة تلقى طلباً قوياً من تجار كثيرين يتسابقون للحصول عليها، وهي حتماً تجارة رابحة لأنها لا تتطلب سوى مجهود متواضع يتلخص في الاحتفاظ بالأوراق والزجاجات الفارغة.تحدثت إلى أحد التجار الذين يشترون تلك السلع المهملة متقمصاً دور البائع، وقد بدت في نبرة صوته علامات الاستغراب وهو يسألني كوني عربياً «إنت في سمان يبيع؟» فأجبته بنعم، فقال لي أنه يعمل في هذا المجال منذ بضع سنوات، ولم يصادفه أي شخص عربي يريد أن يبيع له أوراق صحف أو كراتين أو مواد بلاستيكية أو حتى معدنية، وهو لا يتعامل إلا مع الهنود والباكستانيين والبنغاليين عموماً.

المعلومات التي تمكنت من الحصول عليها من أحد تجار النفايات، تفيد بوجود عدد من الأشخاص مهتمين بشراء تلك النفايات على اختلاف أنواعها، حيث يبلغ سعر الكيلوغرام من أوراق الصحف نصف درهم، فيما يتجاوز الكيلو الواحد من العلب المعدنية 5 ,2 درهم.

وأن الكميات التي يتم جمعها من مختلف إمارات الدولة تباع في أماكن تجميع محددة، وغالبية التجار من الجنسيات الآسيوية، الذين ينقلون أطناناً من النفايات القابلة للتدوير إلى بلدانهم أو إلى دول آسيوية وأفريقية عديدة وبيعها هناك، حيث يتم تحويلها في مصانع متخصصة إلى سلع جديدة ربما تعود إلينا بأسعار مضاعفة.

العرب غائبون

مجموعة عمل الإمارات للبيئة، وعلى لسان حبيبة المرعشي رئيسة المجموعة، لم ترصد إلى اليوم اهتمام أي من العائلات الإماراتية أو العربية في الدولة بمثل هذه التجارة الغائبة عربياً، وذلك على الرغم من أن العائلات قد تنتج نفايات قابلة للبيع والتدوير بكميات كبيرة، ويمكن أن تدر دخلاً إضافياً على البيوت، لا سيما وأن الكثيرين من جامعي النفايات يكسبون في الشهر الواحد مبالغ مالية لا تقل عن ألف درهم إماراتي وربما يزيد المبلغ عن هذا الرقم كثيراً.

وفي مقارنة ربما لا تبدو منطقية إلى حد ما، فإن متوسط دخل الفرد الشهري في دول عربية كثيرة يقل عن ألفي درهم تدريجياً حتى يصل إلى أقل من 150 درهماً إماراتياً في دول لبنان وليبيا وتونس والجزائر والأردن والمغرب مصر وسوريا وفلسطين والسودان واليمن وموريتانيا والعراق وجيبوتي والصومال، على التوالي.

إضافة إليها دول ماليزيا وتركيا وجنوب أفريقيا وروسيا وتايلند، التي يقل متوسط دخل الفرد الشهري فيها عن 1500 درهم إماراتي، ومن ذلك يتضح أن الدخل الإضافي الذي يجنيه عمال آسيويون كثيرون في دولة الإمارات بفعل تجارة النفايات القابلة للتدوير ربما يفوق متوسط الدخل في أكثر من نصف دول العالم العربي، ودول متقدمة أخرى على مستوى العالم.

خطوات إيجابية

حبيبة المرعشي رئيسة مجموعة عمل الإمارات للبيئة اعتبرت أن كل محاولة لتحويل مسار النفايات من مناطق الردم إلى المصانع هي خطوة إيجابية مادياً وبيئياً، مشيرة إلى أن العمالة الآسيوية تنشد من وراء اهتمامها ببيع النفايات القابلة للتدوير أمراً وحيداً وهو تحسين دخلها المادي.

وذلك أمر مستحق طالما أنه لا يتعارض مع توجهات وسياسات الدولة التي تسير باتجاه تفعيل الوعي المجتمعي حول أهمية استغلال النفايات والاستفادة في عمليات إعادة التدوير.

وأشارت المرعشي إلى وجود شركات كبيرة في الدولة مهتمة بتجميع النفايات القابلة للتدوير، وعلى الرغم من أن جهود المواطنين لم تبرز إلى الآن في هذا المجال إلا أن الواقع يؤكد وجود شباب مواطنين بدأوا يتجهوا إلى إيجاد مخازن وأماكن لتجميع أنواع من النفايات القابلة للتدوير، وذلك لكون أن هذا المجال من الاستثمار لا يتطلب سوى مساحة من الأرض وسيارة وعدد من العمال وآلية عمل محددة قبل أن يمسي مشروعاً ناجحاً.

وأوضحت أن عدداً كبيراً من جامعي النفايات القابلة للتدوير يضطرون إلى نقل ما لديهم إلى دول آسيوية عديدة من أجل إعادة تصنيعها هناك، فيما تجد في المملكة العربية السعودية اهتماماً بهذه السلع الرائجة هناك، لكون أنها تختص بسوق عالمي ومستقبل إيجابي كبير، سواء في التجميع أو التصنيع وهي الخطوة الأهم.

وأكدت حبيبة المرعشي أن الهدف الذي تسعى إليه حالياً لا يقتصر على خطوة تجميع وبيع النفايات القابلة للتدوير كمشاريع وطنية صغيرة أو كبيرة، وقد بدأ ذلك فعلياً، وإنما تسعى لحث الجهات المعنية على إيجاد مصانع متخصصة وقادرة على إعادة تصنيع مختلف الأصناف من السلع وبجودة عالياً، وذلك أملاً في جعل حجم الاستفادة من كم النفايات القابلة للتدوير كبيراً، خاصة وأن الدولة قادرة على استيعاب العديد من مثل تلك المشاريع المجدية والمربحة.

إعادة تدوير النفايات مشاريع مجدية

قالت حبيبة المرعشي إن مجموعة عمل الإمارات للبيئة مهتمة بحقل إعادة تدوير النفايات، وهي تعمل منذ سنوات على تحفيز الأفراد والمؤسسات والشركات للسير بهذا النهج.

واليوم بدأت تظهر جهود المواطنين والمقيمين في مختلف إمارات الدولة، الذين يملكون فطنة تجارية فيتعاقدون مع مؤسسات حكومية من أجل جمع النفايات الورقية وغيرها، لافتة إلى أن تجارة النفايات لم تعد عملاً محدوداً أو صغيراً، إذ إنه توجد دول عديدة تطلب مثل هذه السلع، وهي تستفيد منها في إعادة التدوير والتصنيع، وهو ما يفتح آفاقاً من النجاح في طريق من ينتجهون مثل تلك المشاريع التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من المبادرات.

مصانع إماراتية

أشارت رئيسة مجموعة عمل الامارات للبيئة حبيبة المرعشي إلى وجود عدد من المصانع في دبي مهتمة بعمليات إعادة التدوير، منها مصانع خاصة بالبلاستيك والزجاج والألمنيوم والورق بأصناف محددة، لكنها تظل بحاجة إلى مزيد من التطوير والتوسع في مجالات تواكب متطلبات العصر الحديث، حيث ان أي مبادرات قد تتولد في هذا الجانب فهي حتماً ستجد نجاحاً قريباً.

وذكرت أن مجموعة عمل الإمارات للبيئة بصدد الخوض في دراسة ميدانية محورها نفايات البيوت على مستوى سكان الدولة المواطنين وغيرهم، بما يشمل مكان السكن والدخل الشهري وحجم النفايات والمشاركة في برامج تدوير معينة وسواها من المتغيرات، لافتة إلى أنه تم الانتهاء من وضع الخطة والأسئلة والبرنامج الخاص بالدراسة على أمل الخوض فيها قريباً.

دبي ـ عنان كتانة