يشكو أغلب أصحاب المكتبات، في بغداد، غياب الطلب في الوقت الحاضر على الأعمال الروائية أو القصصية أو الشعرية، التي تشمل عناوين مهمة في الأدب العربي والعالمي، إذ تتراكم أكداس من تلك الكتب وقد علاها تراب الإهمال والنسيان.
ونقل عن متابعين ومثقفين وأصحاب مكتبات، ملاحظتهم أن هناك تراجعاً كبيراً وملحوظاً في رغبة الناس للقراءة، وبخاصة لدى أوساط الشباب، الذين يجهلون أسماء المبدعين العراقيين والغربيين رغم شهرتهم، بعد أن كان الشعب العراقي أكثر العرب شغفا ومحبة بمتابعة وقراءة الجديد والمُميز من الكتب، أيام كان الروائي العربي في فترات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي يراهن على تفوق عمله بعدد القراء العراقيين، وأيام كانت مكتبات اغلب البيوت العراقية عامرة بفاكهة السرد القصصي بتنوعاته الفكرية والفنية، وكان أفراد العائلة الواحدة يتداولون الكتب الأدبية فيما بينهم ويتناقشون في نقدها وتحليلها.
وحسب مدير مكتبة (المدى) داود محمد، أن شراء الروايات والقصص مقتصر على الأشخاص الذين تتجاوزوا الأربعين عاماً في اغلب الأحيان، مشيراً إلى أن الشباب بعيدون تماماً عن متابعة الفن الروائي، ونادراً ما يدخل شاب المكتبة ليسأل عن قصة أو رواية، مهما كانت شهرتها، لافتاً إلى أن الأعمال الأكثر تداولاً في السوق في الوقت الحاضر تتمثل في الروايات التي يحصل كتّابها على جائزة نوبل للآداب، مع الاهتمام أيضا بروايات وقصص الكاتبين العراقيين الشهيرين فؤاد التكرلي ومحمد خضير.
وعند التجوال في مكتبات الباب الشرقي، يلفت الانتباه شاب يبحث بين العناوين عن روايات جديدة، وعند سؤاله عمّا يتردد بان الشباب مبتعدون عن قراءة الإبداع القصصي، يشير الشاب إلى أن مصاعب الحياة وانشغالاتها الكثيرة تمنع اغلب الشباب من المطالعة، وان هناك نسبة قليلة لا تزال ترغب بالقراءة ومتابعة الأعمال الروائية والقصصية تحديداً، بتشجيع من عائلاتهم أو أساتذتهم في الجامعة.
ويرى الإعلامي والكاتب عبد الجبار ألعتابي أن النخب الثقافية فقط، هي التي تقرأ الروايات والقصص، وغالبا ما يتبادل الكتاب والروائيون أعمالهم فيما بينهم، وتظل أكداس الروايات والمجاميع القصصية المطبوعة بأناقة على الرفوف المتربة بلا سائل أو متابع، بسبب سيطرة الإعلام المرئي على نفوس وأمزجة العراقيين عموماً، فيما تتصدّر كتب الشعر الشعبي وقصائد الغزل الرومانسي اهتمام بعض المُتابعين من الشباب على وجه الخصوص.
الروائيون والكتّاب والشعراء من جهتهم عبّروا عن أسفهم لما يحصل من تراجع في مستوى الإقبال على الإبداع القصصي والروائي والأدبي عموما، الذي يفتح أفق المخيلة، ويصنع السعادة الجميلة الحالمة، وينمي الذائقة المعرفية فكرا واسلوبا وتوجّهاً، على حد تعبير القاص والروائي محمد مزيد، الذي لا ينكر انه يتألّم لغياب القاريء الباحث عن السرديات الممتعة والعوالم الساحرة التي تنطلق من الرواية، لكنه يجد متعة كبيرة بالكتابة والتواصل، بالرغم من هذا التجاهل والابتعاد المحزن عن الأدب، حتى لو وزعت روايته على الأصدقاء المقربين فقط.
بغداد - «البيان