في 13 يوليو 2007، في ستاد دون فالي المبلل بمياه الأمطار بمدينة شيفيلد الإنجليزية، يشارك العداء أوسكار بيستوريوسفي، من جنوب أفريقيا، في سباق الـ 400 متر ضمن منافسة الجائزة البريطانية الكبرى لاتحاد نورويتش. وبرغم ظروف المطر الصعبة، يقطع أوسكار مسافة السباق في 65 .47 ثانية، ليحل في الترتيب السابع، بعد انسحاب المتسابق الثامن بسبب تعثره عند نقطة البداية.
في ظاهر الأمر، قد لا يبدو هذا الأداء استثنائياً على الإطلاق من جانب أوسكار. لكن في الحقيقة ان مجرد مشاركته للتنافس مع أسرع عدائي العالم في فئة 400 متر هو بحد ذاته حدث استثنائي بكل المقاييس، إذا عرفنا أن ساقي أوسكار مقطوعتان من تحت الركبة بقليل منذ أن كان في عامه الأول، وذلك لأنه ولد بدون عظم القصبة في كلتي الساقين.
لكن ها هو أوسكار يشارك اليوم في سباقات الجري الاحترافية مستخدماً أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا الأطراف الصناعية، وهي عبارة عن قطع من الألياف الكربونية على شكل J، يطلق عليها اسم «قدم الفهد الصياد».
والأغرب من هذا ان مشاركة أوسكار في هذه السباقات جنباً إلى جنب العدائين السليمين أثارت كثيراً من الجدل ليس بدافع الخوف على سلامته بل بدافع ادعاءات تقول بأن الأطراف الصناعية التي يستخدمها تمنحه أفضلية على بقية المتنافسين، لأنها ربما تكون أفضل من الساق الطبيعية، حتى أنه أجريت أكثر من دراسة علمية لإثبات ذلك وحرمانه المنافسة في السباقات الاحترافية.
وبغض النظر عن صحة تلك الادعاءات، فإن مجرد إجراء دراسات علمية جدية لتبين ما إذا كانت الأطراف الصناعية أكثر فعالية من الأطراف الطبيعية يبدو أمراً مذهلاً. لكن قدم «الفهد الصياد» ليست مجرد حالة نادرة من نوعها، إذ يبدو أن العلم وصل إلى مراحل متقدمة جداً في هذا المجال لدرجة ان تصاميم الأطراف الصناعية غدت تضاهي الأقدام الطبيعية في الجودة والكفاءة.
والملفت أن هذا الأمر لا يبدو مفاجئاً للبعض، حيث يقول الدكتور أنديرز ساندبيرج، الباحث في معهد مستقبل البشرية بجامعة أوكسفورد: «التكنولوجيا التي توصل إليها الإنسان في بعض المجالات غدت تقارب أو حتى تضاهي المقدرات البشرية.«
وبرغم تطورها في التصميم والمواد، فإن قدم الفهد الصياد تحاكي نظيرتها الحقيقية المكونة من اللحم والعظم فيما يتعلق بآلية الحركة.
لكن الأمر مختلف بالنسبة لطرف صناعي من نوع آخر، يشبه الطرف الحقيقي في كل شيء حتى بطريقة الحركة.
وهو يد صناعية تحمل اسم «آي ليمب» طورتها شركة توتش بيونيكس الاسكتلندية، وصنفت ضمن أفضل خمسين اختراعا بالعالم لعام 2008، في القائمة السنوية التي تنشرها مجلة تايم، حيث حلت في الترتيب الرابع عشر، متقدمة على المسبار المريخي الجديد.
وبالمقارنة مع الأيادي الصناعية السابقة التي تشبه الكماشة، تعتبر «آي ليمب» ثورة علمية حقيقية، فهذه اليد البيوميكانيكية المتطورة تتحرك مثل اليد الطبيعية على نحو يصعب تصديقه للوهلة الأولى. فهي تعمل من خلال التحكم العضلي الكهربائي.
حيث يقوم حساس خاص مثبت على عضلات الجزء المتبقي من الذراع المقطوعة بالتقاط الإشارات الحركية الضئيلة الواردة من الدماغ واستخدامها للتحكم الرقمي بحركة كل إصبع من أصابع اليد الآلية وبحركة المعصم للقيام بوظائف الإمساك والاستدارة وحتى التقاط قطعة نقدية معدنية من الأرض، ومختلف الوظائف التي يحتاج الإنسان للقيام بها في حياته اليومية.
ويقول هيو جيل، مدير التكنولوجيا والعمليات في شركة توتش بيونكس:«لقد صممنا اليد بحيث توفر قوة متكافئة للقيام بالمهام اليومية المعتادة، بحيث تبلغ قوة القبضة حوالي 10 كيلوغرامات. وكان يمكن زيادتها أكثر من ذلك، لكن ذلك يمكن أن يكون مؤذيا إذا صافحت مثلاً شخصاً ما وشددت بقوة على يده«.
وتستطيع «آي ليمب» أن تحمل 45 كيلوغراماً الآن، بينما ستحمل الموديلات المستقبلية منها ضعف هذا الوزن، بحسب المصممين، أي ما يعادل رفع ملاكم من الوزن الثقيل بيد واحدة.
مزايا إضافية
تمتلك اليد الآلية العديد من المزايا الأخرى مثل البشرة الروبوتية التي تجعلها تشبه اليد الطبيعية إضافة إلى المتانة والاستجابة الدقيقة للإشارات الحركية، لكن عيبها الأساسي حتى الآن هو مصدر الطاقة.
فالبطاريات التي تستخدمها ثقيلة وتستغرق عملية إعادة شحنها وقتاً طويلاً، علماً أنها تدوم ليوم واحد فقط عند استخدامها في المتوسط. لكن يبدو ان بالإمكان الآن تذليل هذه المشكل، بفضل تسخير السمات الفريدة لتنولوجيا الأنابيب النانومترية الحديثة.
ولقد نجح البروفيسور راي باومان، مدير أبحاث تكنولوجيا الأجسام النانومترية في جامعة تكساس، في تطوير عضلات اصطناعية من الأنابيب النانومترية تحاكي شكل ووظائف العضلات البشرية، مع فارق مهم هو انها تعمل بقوة أكبر بمئة مرة.
إعداد: علي محمد
