قصة خبرية

يريدني ان اكون اخته

استمعت إلى كلماتي بكل هدوء، ودون أن يظهر على ملامحها أي تعبير للهفة أو فرح، وكأن من أخبرتها أنني وجدته ليس بولدها الذي كان تائهاً منذ ساعات، وكأنه لم يكن قبل سنوات شاباً يافعاً يضج بصخب الحياة وأحلامها، وكأنه ليس الحلم الذي انكسر يوم أن قضى حادث أليم على كل الأحلام وتركه بقايا إنسان.

فقد خسر قدراته العقلية مع معظم قدرته على النطق والحركة، فأصبح ألماً بعد أن كان هو الأمل، ولكن كل هذا لم يكن شيئاً، أو ربما لم يعد شيئاً، فعندما أخبرتها أنني وجدت شاباً معوقاً تائها عن منزله وأنني أعتقد أنه ابنها، قالت إنه كذلك، وطبعاً شكرتني وأخبرتني أنه في العادة يذهب إلى البقالة القريبة ويعود.

ولكنه اليوم غادر منذ الصباح ولم يستطيعوا العثور عليه، ولكنها لم تقفز من مكانها ولم تسابقني في الطريق إليه، لم تذهب لتتحسس جسده وتتأكد أنه بخير وأنه غير مصاب بأي مكروه، فقط قالت أنها سترسل معي من يأتي لأخذه، في تلك اللحظة غاب عن خاطري كل ما أردت قوله لها، فقد كان كل ماخططت لقوله، ينصب في كلمات الطمأنة، لكنني لم أجدها قلقة عليه، لم تسألني أين وجدته وكيف وجدته.

ولم تستفسر عن حاله أو سلامته، فتجمدت كل الكلمات على لساني، وندمت لأني أعدته إليها، ليتني ذهبت به إلى مركز الشرطة كما نصحني رجال النجدة عندما اتصلت بهم وأخبرتهم أنني وجدت شاباً تائهاً، فربما وجد في مراكز الدولة اهتماماً وحباً يفوق ما يجده في هذا القصر المنيف.

عرفت في تلك اللحظة لماذا طلب مني وقد التقى بي للتو أن يبقى معي عندما أخبرته أنني سأعيده إلى منزله، ولماذا قال لي عندما سألته عن أهله أنه يريدني أن أكون أخته. كان واقفاً على أحدى الطرق السريعة داخل أبو ظبي، عندما مررت بقربه وهو يحاول أن يعترض السيارات المارة بجسده، دون أدنى اعتبار للأخطار التي يمكن أن تصيبه، والتي لا تنحصر بحادث سيارة.

ولم يكن من الصعب ملاحظة كونه غير طبيعي، من حركته ونظرات عينيه المحدقة في اللاشيء، كما لم يكن من الممكن أن أتجاهل كل هذا وأبتعد دون أن أحاول التأكد أنه ليس في موضع خطر، فذهبت إليه وسألته عن اسمه وبيته وأهله، فأجابني بكلمات بالكاد تفهم، وسألني عن اسمي، وطلبت منه أن يأتي معي للبحث عن أهله.

فقال أنه يريد أن يأتي معي وأكون أخته، ولما أخذته لنمر أمام المنازل المجاورة، أشار إلى أحدها، في البداية لم أقتنع أنه منزله، فهو ليس منزلا عاديا، بل قصر منيف، ولم أتوقع أن يكون هذا المسكين ابناً لساكني مثل هذا القصر، فهم بالتأكيد لديهم ما يمكنهم من الاهتمام به أكثر، ولكنني قلت أن لا بأس من المحاولة.

فنزلت بعد أن تركته مع السائق وأقسمت له أني سأعود إليه، كم هو غريب وكم هو مدى تعلق هؤلاء بأي مصدر للحنان، فقط أشعره أنك تهتم لأمره، وانظر إلى ذلك الكم من الحب والتقدير والتعلق التي سيقابلك بها. عندما نزلت للتأكد من كونه أحد سكان هذا المنزل، والحقيقة لم يكن منزلا بل قصرا بكل ما تعني هذه الكلمة، كانت غرف الخدم تحيط به.

ولم أستطع أن أجد الباب الرئيسي بسبب تصميم المبنى الغريب وضخامته، حتى وجدتني خادمة وأنا تائهة أبحث عن مدخل، وعندما سألتني عما أريد أخبرتها بأنني وجدت شاباً تائهاً وأنه يقول أن هذا منزله، فقالت صحيح أين هو، فأخبرتها أنني أريد والدته، فسمحت لي بالدخول لأجد منزلا مترامي الأطراف يتوه بين ممراته أي إنسان .

كما تاهت المشاعر والقلوب وابتعدت عن بعضها، كان كبيراً وفخماً بديكوراته وأثاثه، ولكنه كان بارداً كقلب سفاح حاقد على الحياة والبشر، إلى ذلك المكان أعدت ذلك الشاب المسكين ولم أكن أملك إلا أن أعيده، ركضت إليه بعد أن اتصلت أمه بالخدم ليحضروه.

وهناك كانوا يصيحون به بقسوة لينزل من السيارة، لولا حضوري ونهري لهم لزادوا قسوتهم عليه، وعندما طلبت منه النزول أطاعني، وقبل يدي وطلب مني أن أبقى، ولكنني لم أستطع حتى أن أنظر إلى عينيه، غادرت وفي قلبي غصة ألم وندم، لكنني كنت أشكر الله على بيتي الصغير الذي تنزل دموع كل فرد من أهله من مقل الباقين.

أبو ظبي - إيمان كلش

طباعة Email
تعليقات

تعليقات