على الرغم من هدير الجرافات والرافعات، التي لا تنام في مدينة شنغهاي الصينية، إلا أن معظم مبانيها الأثرية والتاريخية لم يتعرض للهدم. وفي هذا الجانب فشنغهاي تحافظ على نسق تطوير حضري ينتشر في أكثر المدن الصينية، وقوامه احترام الماضي، لكنه في شنغهاي يبدو بشكل أكثر وضوحاً من بكين، على سبيل المثال.
والصين تركز في نهضتها المعمارية، منذ عهد الإصلاحات الاقتصادية في الثمانينات، على الاهتمام بما تم تجاهله في أعقاب المنعطف التاريخي الذي مرت به الصين منذ 1949، ففي عام 2002 تم وضع الخطط في شنغهاي لاستضافة معرض «إكسبو 2010» وهو المعرض التجاري العالمي الشهير، الذي افتتح أخيراً، ومنذ ذلك الحين انطلقت شنغهاي لتجديد نفسها، وخلعت أثوابها البالية بهمة غير مسبوقة، فبدأت عملية إعادة البناء الكبيرة هناك، التي لحسن الحظ، لم يفتها احترام الكنوز المعمارية التاريخية في المدينة، إلى حد كبير.
وأنفقت حكومة شنغهاي 45 مليار دولار على التطوير الحضري بشكل عام، بما في ذلك الإنفاق المتعلق بمعرض «إكسبو» الدولي بشكل خاص، الذي تتوقع شنغهاي أن يزيد عدد زواره على 70 مليون زائر هذا العام، وهذا الرقم أعلى مما أنفقته بكين على البناء استعداداً للأولمبياد.
لكن على الرغم من أن النشاط المعماري المحموم قد غير من وجه المدينة بشكل جذري، ودفع الألوف من السكان إلى الرحيل إلى مناطق أخرى، حددتها لهم الحكومة، تحت مبرر التحديث والتطوير، مثلما حدث من قبل في مناطق صينية أخرى مثل العاصمة بكين، إلا أنه أراح المهتمين بالحفاظ على التراث سواء داخل الصين أو خارجها، إلى حد ما، حيث يرى أولئك أنه تم الحفاظ على المعالم المعمارية التراثية والتاريخية بشكل أكبر بكثير مما حدث في باقي أرجاء الصين.
والآن ليس من الصعب على الزائر لشنغهاي ملاحظة الفنادق الفخمة ذات الواجهات الزجاجية وأبراج المكاتب العالية والطرق السريعة، التي حلت مكان الطرق القديمة، والبنايات المهيبة ذات الطراز الغربي، التي تم بناؤها أيام وجود الأميركيين والبريطانيين في المنطقة.
في عام 2004، حددت حكومة شنغهاي 12 منطقة حماية معمارية في المدينة، وبالتالي منحت الأحياء التاريخية بعض الحماية، ولم يكن دافع الحكومة في ذلك، على الأرجح، سوى الربح المالي، فتلك المناطق تعتبر مصادر للجذب السياحي، كما أن الحكومة تعرضت لضغوط من أبناء المدينة الفخورين بالعمارة في مدينتهم، بما فيها البنايات التي تعود لفترة التجمعات الأميركية والبريطانية، التي كانت في يوم ما رمزاً للاستعباد الصيني.
غير أن هناك انتهاكات لتلك المناطق المحمية، حيث يغير عليها المقاولون في جنح الظلام، بين آونة وأخرى، وبدعم رسمي من الحكومة، فينتزعون مبان ويزرعون مكانها فنادق وطرقاً جديدة، وهذا ما يثير قلق وانتباه المحافظين على التراث، وحفيظة السكان المحليين لتلك المناطق الذين يقومون بالتظاهر احتجاجاً على ذلك، بين فترة وأخرى.
لكن ليس جميع سكان شنغهاي يؤيدون التظاهر، حول تلك المسألة، حيث يرى الكثيرون منهم أنها لا تستحق العناء، وخاصة أولئك الذين قبضوا ألوف الدولارات وانتقلوا من بيوتهم المتهالكة إلى شقق حديثة.
رغم كل هذا، يقر المحافظون على التراث بأن الجهود التي بذلتها الحكومة في عمليات إعادة التعمير المكثفة، وفي الوقت نفسه، المحافظة على الإرث المعماري، كانت أشبه بالمعجزة، ومن المناطق التي نجت من معاول الهدم حي «شيكسنغلي» التاريخي الواقع في الجانب الشمالي الشرقي من المدينة، حيث توجد فيه أكثر من 300 بناية تعود إلى فترة العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي.
في ذلك الحي لا يزال السكان ينعمون بتجاذب أطراف الحديث، تحت ظل أشجار الخيزران والسرو وسط البنايات والفلل ذات الطراز الغربي، ويبدي الكثير منهم سعادتهم، لأنهم لا يزالون قادرين على التواصل الاجتماعي، والتحدث للجيران، أكثر بكثير من قاطني الشقق الحديثة، في مناطق أخرى من المدينة.
ومن الكنوز المعمارية الأخرى التي حافظت عليها حكومة شنغهاي منطقة الميناء، ففي القرن التاسع عشر، أجبر الأميركيون والفرنسيون الصين على توقيع اتفاقيات يتنازلون فيها عن ملكية الميناء، وبعدها سكن رجال الأعمال الغربيون المنطقة، وترافق ذلك مع نشاط كبير في بناء البيوت والكنائس والمدارس.
وفي الثلاثينات من القرن الماضي أصبحت المدينة مليئة بالمباني التي تحمل طابع عصر النهضة في فرنسا، ولكن بنكهة صينية، ومن المعالم المشهورة التي تمثل تلك الفترة «شارع الحب»، بالإضافة إلى قصر قام ببنائه الأخوان كيو، رجلا الأعمال الشهيرين. والقصر، الذي تحول فيما بعد إلى مدرسة، تم نقله من مكانه لمسافة 50 متراً تقريباً باستخدام روافع عملاقة، ولم يتعرض لأي أذى.
يوسف جباعته
