يكابد الصيادون المواطنون في أبوظبي، هموماً كبيرة، يأتي على رأسها تحكم تجار الجملة في الأسعار، واتفاقهم عليهم بحيث تكون المزادات مجرد سيناريوهات معدة سلفاً، يتم بمقتضاها شراء الأسماك منهم بأبخس الأسعار، ومن ثم إعادة طرحها على المستهلك بأسعار مرتفعة، وكذلك قرارات حظر الصيد بالقراقير، وأخيراً جاء ارتفاع سعر المحروقات ليضيف على همومهم هموماً جديدة، ويجعل مهنتهم المحفوفة بالمشاق والمخاطر، أقل جاذبية.

ويشكو الصيادون من أن ارتفاع سعر المحروقات، وهيمنة التجار الآسيويين على السوق، يضع على عاتقهم المزيد من الضغوط، مؤكدين أن الصياد المواطن لا يزال يشكل الحلقة الأضعف، وأنه لا يجني من وراء كده وتعبه إلا الفتات، فيما يحقق التجار محتكرو السوق أرباحاً طائلة، ويتكبد المستهلك في الوقت ذاته زيادات غير منطقية في أسعار الأسماك، التي تعد مادة غذائية رئيسية في الدولة. يقول الصياد محمد عبد الله المرزوقي: بعد ارتفاع أسعار المحروقات، أصبحت الرحلة البحرية التي تستغرق يومين تكلف الصياد نحو 1800 درهم، مقابل البنزين وذلك بزيادة حوالي 300 إلى 400 درهم عن ذي قبل، ومع حساب تكلفة المواد الغذائية التي تصل إلى حوالي 500 درهم، فإن الرحلة تكلف في المتوسط 2300 درهم.

وبعد الرحلة يصطدم الصياد بالتجار الآسيويين الذين يحتكرون شراء الأسماك، فهؤلاء يحددون أسعار الشراء من دون الاهتمام بالصياد، وعادةً ما يجري المزاد وفق سيناريو مدروس، ألا وهو: امتناع كل التجار عن المزايدة باستثناء تاجر واحد، يقوم بتحديد سعر مجحف، وبطبيعة الحال يضطر الصياد للرضوخ له، وبعد إتمام البيع يقوم بتوزيع الأسماك على بقية التجار، الذين يطرحونها على المستهلكين بزيادة أكثر من 100 % في بعض الحالات. ويضيف: إن الصياد المواطن بعد البيع يقوم باقتطاع تكلفته ومن ثم يتم تقسيم المبلغ الصافي بالتساوي بينه وبين الصيادين، فلا يتبقى له إلا أقل القليل، ولا يحصد جراء عنائه إلا الفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

إحجام عن المهنة

ويلتقط الصياد محمد سلطان طرف الحديث قائلاً: إن الواقع المؤلم الذي يكابده الصياد المواطن، قد دفع الكثيرين إلى الامتناع عن ممارسة المهنة، بعدما أصبحوا يشعرون بأنهم مجرد وسيلة يحقق التاجر الآسيوي من ورائها الثروات، وبعدما وجدوا أنفسهم بين مطرقة غلاء الأسعار التي لا ترحم، وسندان احتكار التجار للسوق.

ويقول: لا أحد يعرف طبيعة المتاعب التي يتعرض لها الصياد في البحر، ولا يمكن لأحد أن يتخيل حجم المعاناة التي يتعرضون لها، في مجابهة الظروف الجوية السيئة، أو حالات تعطل المحركات، أو خروجهم في رحلات غير موفقة في مواسم شح الأسماك، ولو بقي الحال على ما هو عليه سيتسرب المواطنون واحداً تلو الآخر من مهنة الصيد، ولن يبقى إلا الآسيويين الذي فرضوا علينا شروطهم، من دون أن نتمكن من التخلص منهم.

ويضيف: إن الصياد لا يستطيع أن يقوم بأكثر من رحلتي صيد في الأسبوع، وهناك ظروف جوية قد تمنعه من ارتياد البحر، وهناك أيضاً مواسم تكاثر الأسماك التي يصبح الصيد فيها شحيحاً، فضلاً عن ذلك تشكل قرارات هيئة البيئة لإمارة أبوظبي منع الصيد بالقراقير، ضغطاً على الصيادين، وكل هذه عوامل طاردة تجعل المهنة غير جاذبة، وتدفع الكثيرين بالهروب منها إلى أية أعمال أعلى عائداً وأقل من حيث المخاطر.

ويطالب بإعادة النظر في قرارات منع الصيد بالقراقير والشباك ، على الأقل خلال أشهر فبراير ومارس وإبريل، حيث تشهد هذه الفترة من السنة وفرة في الأسماك، ومنها سلالات مهاجرة مثل الكنعد، الذي يرحل إلى شواطئ أخرى ويتم صيده هناك.

مسؤولية بيئية

ويقول الصياد بدر راشد: إن الصياد المواطن يشعر بمسؤوليته إزاء حماية البيئة في وطنه ويرفض أية ممارسات تضر بها، غير أنه من واقع الخبرة، وبمقارنة القوانين المعمول بها في الإمارات الشمالية، أستطيع الجزم بأن الصيد بالقراقير لن يشكل خطراً على البيئة البحرية، طالما تم وضع ضوابط لا تترك الأبواب مفتوحة على مصاريعها.

ويضيف: إن عدداً كبيراً من الصيادين المواطنين قد تركوا المهنة خلال العامين الماضيين، وقد اتخذوا هذا القرار الصعب والمؤلم، تحت وطأة ارتفاع أسعار كل شيء، بدءاً بالقوارب ومعدات الصيد وأسعار المحروقات وأجور العمال، وعدم قدرتهم في ظل احتكار الآسيويين لشراء الأسماك، ومن ثم الاستفادة من كدحهم وعرقهم، أو بعبارة أدق «مص دمائهم» على الاستمرار في المهنة.

وحول الخدمات التي يحصل عليها الصياد من جمعية الصيادين يقول: إن الجمعية تعتبر الداعم الأول للصيادين، حيث تقوم سنوياً بتوزيع الأرباح عليهم، وهناك زيادة مطردة في نسبة الأرباح، كما تقرض الصيادين الراغبين في تحديث قواربهم، وتنقل صوتهم للجهات المعنية في الدولة، غير أنها لم تتمكن حتى الآن من محاربة الاحتكار، ولم تحقق لهم مكاسب فيما يتعلق بالحصول على البنزين بأسعار معقولة، تكلف لهم أن يحققوا أرباحاً معقولة، وتضمن في الوقت ذاته عدم ارتفاع أسعار السمك على المستهلكين.

الجمعية تدعم الصيادين

من جهته يقول علي المنصوري، عضو مجلس الإدارة المنتدب لجمعية الصيادين بأبوظبي: إن الجمعية تقف مع الصيادين في كل مطالبهم العادلة، وتناشد شركات البترول بالنظر إليهم باعتبارهم يؤدون دوراً مهماً في تحقيق الأمن الغذائي للمجتمع، مشيراً إلى أن الجمعية تقدر زيادة الإنفاق التي سيتكبدها كل صياد بما لا يقل عن 35 ألفاً سنوياً، وهو الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع أسعار الأسماك، فضلاً عن قيام نسبة كبيرة من الصيادين المواطنين بالفرار من المهنة التي تشكل ملمحاً ثقافياً حضارياً وتاريخياً في المجتمع.

ويطالب شركات النفط بإصدار بطاقات خاصة للصيادين المرخصين بحيث يحصلون على احتياجاتهم من الوقود بسعر مقبول، موضحاً أن الجمعية طلبت من وزارة البيئة السعي إلى إيجاد آليات تكفل توفير دعم للصياد المواطن، كما تجري الجمعية مشاورات دائمة مع أعضاء المجلس الوطني الاتحادي لبحث كيفية تحويل مهنة الأجداد إلى مهنة جاذبة.

وفيما يتعلق بسيطرة الآسيويين على المزادات يقول: يجب الاعتراف بأنه رغم الجهود التي تبذلها الجمعية لكسر حلقة الاحتكار الضاغطة التي تضعها «مافيا الاحتكار» حول عنق الصياد المواطن، ودخول الجمعية طرفاً في العملية، عبر القيام بشراء الإنتاج، ومساعي الحفاظ على سعر عادل يحفظ حقوق التاجر والمستهلك... رغم هذا كله لايزال السوق في قبضة التجار الآسيويين، وهؤلاء لا يعنيهم الإبقاء على الصياد المواطن، ويحددون الأسعار بما يحقق لهم الأرباح الطائلة، من دون النظر لحقوق الحلقة الأضعف في هذه العملية، والمتمثلة في الصياد.

ويفسر عدم قدرة الجمعية على كسر الاحتكار قائلاً: إن الجمعية تشتري الأسماك من الصيادين بأسعار عادلة، كما تحرص الجمعية على طرح الأسماك على المستهلكين بأسعار معقولة، وحسب هوامش ربح غير مبالغ فيها، وهذا على عكس التجار الآسيويين الذين يشترون بأقل الأسعار ويبيعون بأغلاها.

خسائر الجمعية

غير أن الجمعية رغم ما تبذله من جهود، لا تستطيع شراء كل المعروض، نظراً لعدم قدرتها على تصريفه، الأمر الذي سيؤدي إلى تعرضها للخسائر المادية.

وهل يعني ذلك الخضوع لشروط مجموعة تحتكر السوق وتضر بكافة الأطراف في آن واحد؟.. يجيب علي المنصوري على هذا السؤال قائلا: إن الجمعية وحدها لن تستطيع تغيير هذا الواقع المجحف، لذلك قامت مؤخراً بالعمل على إيجاد منافذ أكثر لتسويق الإنتاج.

وهناك مخاطبات مع عدد من المنافذ التجارية الكبرى، مثل المتاجر المتنوعة الكبرى، والجمعيات التعاونية، لشراء الإنتاج من الجمعية مباشرة، بأسعار تنافسية... كما تطالب الجمعية وزارة الاقتصاد بمؤازرتها وحث المتاجر الكبرى للشراء منها، علماً بأن هذا الأمر سيساهم لا محالة في تقليل سعر الأسماك على المستهلكين، وسيكسر حلقة الاحتكار، بما يعود بالفائدة على كل الأطراف.

ورداً على سؤال حول عزوف المواطنين عن دخول مجال تجارة الأسماك يقول: إن هناك عزوفاً على ممارسة التجارة من قبل المواطنين في كل المجالات، وليس في مجال تجارة الأسماك فقط، وهذه مشكلة اجتماعية ذات تداعيات اقتصادية خطيرة، ولا يمكن حلها بغير توفير الحوافز التي تدفع المواطن إلى خوض مختلف مجالات العمل التجاري، وأن تهتم المؤسسات الجامعية بطرح الدراسات ذات العلاقة.

كما يجب على الجهات المعنية في الدولة الوقوف إلى جوار صغار التجار من مواطني الدولة، فهؤلاء يعانون من مشكلة كبرى، ألا وهي أن تجار الجملة الآسيويين لا يتعاونون معهم، ويبذلون كل ما في وسعهم لإخراجهم من السوق، حتى تظل أياديهم هي العليا.

ويتطرق علي المنصوري إلى دور الجمعية في الحفاظ على أسعار البيع للمستهلك، حيث ساهمت الجمعية إلى حد كبير في إجبار التجار على الالتزام بأسعار معقولة، وذلك عبر تحديد أسعار إعادة البيع للمستهلك في منفذ البيع الخاص بها، وهو الأمر الذي أجبر التجار على عدم رفع أسعارهم، خوفاً من فقدان الزبائن.

ويقول: إن الجمعية تقوم حالياً بتنفيذ خطة تهدف إلى القضاء التام على الاحتكار، ويتوقع أن تنتهي منها بعد ثلاث سنوات، وتستند الخطة على ثلاثة محاور هي: فتح المزيد من الأسواق لتصريف الإنتاج، وإبرام عقود مباشرة مع عدد كبير من الجهات المستهلكة، وتعزيز النجاح الذي حققه منفذ البيع الخاص بالجمعية.

وتسعى الجمعية لأن تكون رمانة الميزان بين الصيادين والمستهلكين، بما يكفل المصلحة العامة للطرفين، وللمجتمع في آن واحد.

وحول قرارات تقييد الصيد بالقراقير يرى أن القرار ذو تأثير سلبي على الصيادين، وأن مراعاة مصلحة كل الأطراف تتطلب إعادة النظر في هذا القرار، بما يكفل دعم جهود الدولة في مجال حماية البيئة البحرية من جهة، ويوفر للصيادين الفرص الشرعية في زيادة أرباحهم ومن ثم عدم هروب المزيد منهم إلى مهن أخرى.

استغلال فج

يتحدث أحد الصيادين المواطنين بمرارة شديدة عن صور الاستغلال الفج التي يمارسها تجار الجملة على الصيادين، عبر إجبارهم على بيع ما يصيدونه بأقل الأسعار.

يقول: يعود الصياد من رحلة الصيد خائر القوى، فيتوجه إلى المزاد لبيع ما يمن عليه الله به من الرزق، وما أن يبدأ المزاد حتى يتبادل كبار التجار نظرات ذات مغزى لبعضهم البعض، فيتوقفون جميعا عن المزايدة عند حدود سعر متفق عليه فيما بينهم. فسعر المن من الشعري الذي يعد من الأسماك المفضلة والمرغوبة لدى سكان الخليج، لا يزيد في مواسم الوفرة عن 15 درهماً، ومثله النيسر والقابض قد يزيد قليلاً، وبعدما يضطر التاجر للبيع، يقوم التجار بمنتهى الوقاحة وعلى مرأى ومسمع منه، بتوزيع الأسماك فيما بينهم.

وبعدما ينتهون من خطتهم الخبيثة في فرض شروطهم يبيعون الأسماك لتجار التجزئة بهامش ربح لا يقل عن 70% وفي نهاية الأمر يصل السعر للمستهلك بسعر يزيد بأكثر من 120 % من السعر الذي حصل عليه الصياد.

هجرة جماعية!

أكد عدد كبير من الصيادين أنهم سيهجرون مهنة الصيد للأبد لأنهم غير قادرين على التأقلم مع الضغوط الكبيرة التي يكابدونها وعلى رأسها احتكار الآسيويين للسوق وارتفاع التكلفة عليهم بعد رفع أسعار المحروقات. وقال علي المنصوري: إن عدداً كبيراً من أعضاء الجمعية قد أعلنوا أنهم بصدد هجرة المهنة ما لم يتم وضع حد لمعاناتهم، مشيراً إلى أن عدد الأعضاء يبلغ حالياً نحو 450 عضوا، يمارس 95 % منهم مهنة الصيد بشكل دائم.

أبوظبي- محمد مصطفى موسى