لا يجد حسني حسين، المقيم في نيويورك، من يتحدث معه بلغة «ماموجو» الإندونيسية، ويزعم أنه الوحيد في نيويورك الذي يتحدث بها، فحتى زوجته وأطفاله لا يجيدون استخدامها، إذ إن زوجته من جزيرة جاوة، وأطفاله ولدوا في جاكرتا، ولا يجيدون سوى اللغتين الإندونيسية الرسمية والانجليزية.

وتشتهر نيويورك بأنها موطن ل800 لغة على الأقل، على اختلاف التقديرات، حيث لا توجد هناك إحصائية دقيقة في ما يتعلق بهذا الموضوع. وهذا العدد أكبر بكثير من عدد اللغات الرسمية التي يتم تعليمها في المدارس الحكومية في نيويورك، والتي يبلغ عددها 176 لغة فقط، ويتجاوز بكثير أيضاً عدد اللغات التي تم إحصاؤها عام 2000 في حي كوينز النيويوركي، الذي يعرف بأنه معقل لأكبر تنوع سكاني في المدينة، والبالغ 138 لغة.

إذن ففرص الاستماع إلى محادثة بلغة «فلاشكي»، وهي من اللغات المتفرعة عن الرومانية، أكبر في كوينز منها بفرص الاستماع إليها في القرى الجبلية النائية في كرواتيا، والتي تركها أبناؤها وهاجروا، قبل سنوات عدة، إلى أميركا للعيش والعمل فيها.

«إنها عاصمة التنوع والكثافة اللغوية» كما يصفها دانيل كاوفمان بروفسور اللغويات في جامعة سيتي في نيويورك، حيث يرى أن المدينة تشتمل على لغات كثيرة، مرشحة لأن تنقرض في غضون 20 أو 30 عاماً.

لذلك ومن أجل الحفاظ على تلك اللغات، قام البروفسور كاوفمان بتأسسيس مشروع يدعى «تحالف اللغات المهددة بالانقراض»، يهدف إلى تحديد وتسجيل تلك اللغات التي تحتضر، والتي يعاني العديد منها من الافتقار إلى حروف هجائية مكتوبة، ومن أجل تشجيع أبناء تلك اللغات على التحدث بها وتعليمها لأبناء جلدتهم.

وفي الوقت نفسه، يعترف كاوفمان ورفاقه القائمون على المشروع بأن حفظ اللغات ليس بالأمر الهين، وأنها مهمة ليست مثل وضع المربى في وعاء محكم الإغلاق، وإنما تحتاج إلى استخدام وتفاعل.

نيويورك بهذا لا تكون موطن أكبر تعدد لغوي في العالم فحسب، وإنما تعد منجماً يضم لغات كثيرة مهددة بالانقراض، يمكن الاستماع إليها في أنحاء نيويورك أكثر من أي مكان آخر في العالم.

فبالإضافة إلى عشرات اللغات الأميركية الجنوبية المهددة بالانقراض، والتي لا تزال مستخدمة في نيويورك، هناك أيضاً اللغة الآرامية، والتشالدية والمندائية، وهي من اللغات السامية، بالإضافة إلى البخارية.

وهي من اللغات اليهودية التي يتحدث بها أبناؤها في كوينز النيويوركية أكثر ممن يتحدثون بها في أوزبكستان أو طاجسكتان، وهناك لغة التشامورو، المستخدمة في جزر مريانا، وغيلك الإيرلندية، واللغة الكاشوبية الآتية من بولندا، ولغة اليديش القادمة من شرق أوروبا ووسطها، والريتو الرومانية المستخدمة في سويسرا، ولغات من البلقان والمكسيك وغيرها الكثير.

تحتفظ الأمم المتحدة بسجلات في ما يخص اللغات المهددة بالانقراض، ويجمع الخبراء اللغويون على أن أية لغة قد تواجه الانقراض خلال جيل أو اثنين إذا كان عدد المتحدثين بها قليلاً جداً، وكانوا في تناقص، كما أسهمت عوامل أخرى في ذلك الـ «نزف» اللغوي، ومنها عمليات التطهير العرقي والحروب وإجبار الطلاب على دراسة لغات وطنية معينة في المدارس.

وشهدت ضاحية كوينز إحياء للعديد من اللغات، فعلى سبيل المثال، أجبر الكروات، وعلى مدار عقود عدة، الأهالي الساكنين على امتداد البحر الأدرياتيكي، على التخلي عن لغة «فلاشكي» والتحدث بالكرواتية بدلاً منها، لكن عندما هاجر هؤلاء إلى نيويورك، عادوا للتحدث بلغتهم الأصلية.

وتقول فالنيا سملوفاك (59 عاماً)، التي هاجرت إلى الولايات المتحدة في الستينات مع والديها وشقيقها وشقيقتها: إن قرى بأكملها أفرغت من سكانها، في ذلك الوقت، وهي تبدي الكثير من القلق إزاء احتمال انقراض لغتها الأصلية، لأن العديد من كبار السن قد ماتوا، كما أن زوجها يتحدث الكرواتية فقط، وولدها الذي أنجبته في الولايات المتحدة لا يتحدث سوى الانجليزية وبعض الكرواتية.

لكنها فوجئت قبل عدة سنوات، عندما نظمت إحدى بنات عمها، وهي مدرسة لغويات في جامعة نيويورك، مؤتمراً في المدينة حول كيفية الحفاظ على لغة «فلاشكي»، حيث بادر إلى حضوره أكثر من 100 شخص.

يوسف جباعتة