عندما كان آلان غرينسبان يتربع على عرش مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، لا يتكلم إلا بمفاتيح الكلمات ولا يفصح عما يدور في كواليس المال. هذا الإمبراطور الذي أودت به الأزمة الاقتصادية العالمية وأنزلته من عرشه بقوة الضرورة، ظل يبرر موقفه بأن هذه الأزمة لا بد منها ولا يمكن تفاديها حتى لو اجتمع كل خبراء الاقتصاد وصلوا ليل نهار في معابد المال دون جدوى.

رجل مخضرم، عرف كيف أن المال يلّون طعم الحياة الأميركية، ويعطيها بعداً آخر. فهو لا يتكلم ولا يبتسم، ولا تعرف من تجاعيد وجهه كيف يعمل المال في كيمياء الاقتصاد.وهذا ما كان يجعل الخبراء الاقتصاديين يدورون في فلك غامض اسمه غرينسبان. هذا الجمهوري الليبرالي، خرج مؤخراً عن صمته بعد نحو 20 عاماً من الصمت، وأصدر كتاباً أحدث دوياً عاصفاً ولكن بعد فوات الأوان، كاشفاً ما كان خافياً في كواليس المال. وفجّر قنبلته المدوّية باعترافه أن النفط كان السبب الرئيسي وراء احتلال العراق. يصف غرينسبان نفسه بأنه حارس الدولار. فهو من مؤيدي رفع الفائدة على العملة، وقف ضد سياسة تخفيض الضرائب التي لجأ اليها بوش لحشد شعبيته.

كان مهندساً لمجلس الاحتياط الفيدرالي، ربما لأنه كما يؤكد علماء النفس بأنه كان في طفولته يعزف على آلة (الكلارينيت)، بناء على رغبة عائلته اليهودية الألمانية التي هاجرت إلى نيويورك عندما كان عمره خمس عشرة سنة عندما توجه إلى مدرسة (جوليارد)، إحدى اشهر مدارس الفنون في العالم (موسيقى، رقص، تمثيل،...).

لكنه قرر أن يعود إلى الدراسة الاكاديمية العادية ودرس الاقتصاد في جامعة نيويورك، رغم أنه لم ينس الموسيقى، وتحول من عشقه لآلة (الكلارينيت) إلى آلة ال(الساكسفون).

ولكن دراسته للموسيقى لم تمنعه من مواصلة دراسته على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة نيويورك بعد رئاسته للاحتياطي الفيدرالي. لم تكن وظيفته في مركز (كونفرس) للدراسات الاقتصادية تغريه في خمسينات القرن الماضي، وبعد مرور سبع سنوات على شركته الخاصة (تاونسند غرينسبان) للاستشارات الاقتصادية.

وصفوه بـ (ملك الفقاعة) متهمين إياه بالوقوف وراء الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم أجمع كما في كتاب ويليام فليكنشتاين (فقاعات غرينسبان.. عصر الجهل في الاحتياطي الفدرالي).

فمنذ نهاية الثمانينات انتهاء وظيفته، يبدو أن (المايسترو) لم يرتكب أي خطأ. فقد وضع معدلات الفائدة عند مستوياتها الصحيحة، كما يصر مناصروه على قول هذا، كما اشرف على اقتصاد نادرا ما يتعرض للانزلاق نحو الركود أو الأزمات.

وعندما يجنح الاقتصاد عن الطريق الصواب، فإن مجلس الاحتياطي الفدرالي ما يتصدى للأزمة عبر طبع الدولارات أو تخفيض معدلات الفائدة. لا يزال معظم الأميركيين يلعنون أيام ولايته، بسبب أخطائه. خلال فترة رئاسته، شهدت الولايات المتحدة فقاعة في الأسهم تبعتها فقاعة القطاع العقاري. ومنذ تسلمه منصبه لم تشهد البلاد فقاعات كهذه منذ خمسين عاما.

سيرته الذاتية (عصر الاضطراب)، تكشف الكثير من خلال عنوانها ولكن الأميركيين كما هو معروف عنهم لا يتقبلون المواعظ والإرشاد بعد أن تلقوا الدروس والعبر من خلال رجل واحد وضعوا كل ثقتهم فيه وهو غافل عما يحدث في كواليس المال، أوكسجين الحياة للأميركيين وغيرهم. والفقاعات تزداد يوماً بعد يوم من حولهم، وتنفجر في وجوههم، فهي تضحك الصغار ولكنها لا تضحك الكبار بلا أدنى شك إن لم تبكهم.

شاكر نوري