الازدحام المروري الخانق الذي تعيشه مدينة الشارقة، ليس وحده ما يعاني منه السائقون والمارون عبر المدينة، فهناك مشكلة المواقف وهي مشكلة أكثر من يعاني منها سكان البنايات القديمة، وأساس المشكلة يكمن في البنايات والأبراج الجديدة التي بنيت حديثاً، وخاصة في مناطق مثل البحيرة والنهدة، حيث شيدت في هذه المواقع أبراج يتجاوز طول الواحد منها الخمسين والستين طابقاً، تناغمت بألوانها وأشكالها الهندسية.

ولكنها تقاربت وتلاصقت ببعضها حتى يكاد المرء من مشاهدته لها، لا يفرق بين بناية وأخرى، واكب ذلك تشييد طرق ضيقة ومداخل صغيرة، لا يمكن لمركبات الطوارئ سواء الإسعاف أو أجهزة ومعدات الدفاع المدني المرور منها، ويتساءل البعض لماذا البناء والتخطيط يتم بالشكل القائم حاليا، هل هو لعدم وجود الخبرات والكفاءات اللازمة لعمليات تخطيط المدن، أم هناك قاعدة بنيت على أساسها مخططات البناء في الشارقة.وفي بعض أجزاء إمارة عجمان، فالمعروف أن التخطيط الهندسي يقوم على دراسات مستفيضة، وتخطيط يتم على أيدي خبراء ومهندسين أكفاء، والى شركات استشارية كبيرة، لا إلى مهندسين يعملون وفق إمكانات بسيطة وخبرات متواضعة.

فالمخططات الجديدة لا بد وأن توضع لها دراسات متكاملة، في إقامة المساحات الكافية بين بناية وأخرى، وتحديد أدوار لمواقف المركبات، وتشييد الطرق والشوارع الواسعة، وإنشاء البنية الخدماتية من خدمات الاتصالات والكهرباء والماء، كثيرة هي القضايا التي لمسناها في هذا المخطط العمراني، التي أصبحت للبعض كابوسا بسبب معاناته من عدم وجود مواقف للسيارات.

ومعاناة أخرى تمثلت في منع الهواء من الدخول إلى شقق البنايات الصغيرة، ومعاناة أخرى هي الكشف على الأسر التي تسكن هذه البنايات، وحرمانها من فتح النوافذ والجلوس في البلكونات، وعدم وجود مساحات بين كل بناية وأخرى لدخول سيارات الإسعاف والدفاع المدني، ولذلك طرقنا أبواب الدفاع المدني، بحثا عن أجوبة لبعض هذه التساؤلات.

فعجزنا عن تلقي رد منهم، رغم قيامنا بمخاطبتهم رسميا، واتجهنا صوب بلدية الشارقة التي ردت علينا العلاقات العامة بأن الموضوع ليس من اختصاصها، وإنما من اختصاص دائرة أخرى، وبقي لنا أن نورد آراء وهموم بعض سكان الشارقة وعجمان، الذين عبروا عن معاناتهم، كل بحسب وجهة نظره واعتقاده.

منع الهواء وحجب الرؤية

يقول نبيل شبايطة من سكان الشارقة: البنايات الشاهقة والأبراج رغم كثرتها، إلا أنها افتقدت إلى التنسيق والتخطيط السليم في أعداد الطوابق، لدرجة أن بعض الأبراج المرتفعة، أحاطت ببنايات أقل منها في الطوابق، فغاب عنها الهواء وحجبت عنها الصورة، ولذلك أصبح سكان هذه البنايات في نفسيات محبطة، وغير قادرين على تغيير سكناهم.

وذلك أن سكنهم قريب من عمل الزوج أو الزوجة، وكذلك مدارس أطفالهما لا تبعد سوى عشرات الأمتار، ولكن من المآسي التي نعيشها نحن ومعظم سكان هذه البنايات، مشكلة مواقف المركبات التي نفتقدها وبسببها نتعرض لمخالفات من قبل رجال المرور، فالواحد منا يظل أكثر من ساعة يبحث عن موقف لسيارته، وعندما يعجز يضطر إلى ركنها في أي مكان حتى ولو على الرصيف، أكثر من خمسمائة مركبة تجدها واقفة في موقف واحد.

هذا العدد الكبير بالطبع يسد المنافذ ويمنع مركبات الإسعاف والدفاع المدني، من الوصول إلى مكان وقوع الحادث، الذي نتمنى من الله عدم وقوعه، مشاكلنا أيضا تكمن في عدم وجود المخطط السليم الذي يبنى على أسس معمارية وهندسية سليمة، تعمل على توزيع هذه الأبراج في الأماكن والمواقع والمساحات المناسبة.

وتحدد الطوابق بحيث يوجد بينها تناغم في الشكل واللون والارتفاع، فليس من المعقول أن تقام أبراج من خمسين طابقاً وأكثر، وبنايات من ثلاثين وأخرى من عشرين طابقاً وجميعها في مكان واحد، حقيقة نحن نفتقد للصورة الجمالية في هذه الأبراج لكونها غير متناسقة ولا متجانسة.

نوافذ متقابلة

وتقول ن. ع . الشامسي: الأبراج برزت في إمارة الشارقة بشكل سريع وخلال فترة زمنية قصيرة، شيدت عشرات بل مئات من هذه الأبراج في أماكن مختلفة من الإمارة، ولكن يلاحظ أن أغلب هذه الأبراج شيدت في منطقتي النهدة والبحيرة على مساحة صغيرة جدا، ولذلك جاءت هذه الأبراج متقاربة، وأحياناً نراها متلاصقة.

حيث لا يفرق بين بناية وأخرى سوى أمتار قليلة، بل والنوافذ والبلكونات متقابلة وهي الأخرى بينها مسافة قصيرة، وأصبحت الأسر الساكنة في هذه البنايات أو الأبراج مكشوفة على بعضها البعض.

كما أن الأبراج الشاهقة حرمت سكان البنايات الصغيرة، من الهواء وحتى من مشاهدة القنوات الفضائية بسبب حجب الرؤية عن الستلايات وهذه معاناة أخرى يعيشها الكثير من سكان هذه البنايات، لقد نقل لي بعض جيراني معاناتهم بسبب انطفاء الكهرباء في بعض الأوقات، وفي بعض البنايات ذات الأدوار المتعددة، والمعاناة تتمثل في عدم وجود مولد كهربائي احتياطي في هذه البنايات، يشغل في حالة انقطاع الكهرباء، هل يتصور أن شخصا حمل زوجته .

وهي حامل من الطابق الثاني عشر لنقلها للمستشفى، بسبب انقطاع الكهرباء وأطفال صغار صدف انقطاع الكهرباء عن بنايتهم وهم ذاهبين للمدرسة، فاضطروا للنزول عبر الدرج من الطابق العاشر، لماذا لا يوجد في هذه البنايات مولدات كهربائية احتياطية، تفرض عليهم من قبل الدفاع المدني أو الجهات المعنية.

هموم السكان كثيرة

ويضيف نظام سرطاوي: المعاناة كبيرة وشديدة على سكان البنايات الصغيرة، والتي أحاطت بها الأبراج من كل جانب، نحن نعيش معاناة المواقف فالبنايات القديمة بنيت بدون مواقف، كنا إلى ما قبل فترة قصيرة، نوقف مركباتنا في المواقف الترابية القريبة من البناية، ولكن وبعد السماح للأبراج في البناء في هذه المساحات، أصبحنا نعاني من المواقف وفي كثير من الأحيان نخالف من قبل شرطة المرور.

وثاني المعاناة أن هذه الأبراج منعت عنا مشاهدة المناظر الجميلة أو حتى الجلوس في البلكونة، بسبب أن الأبراج ملاصقة لهذه البنايات الصغيرة، كما أصبحنا كأسر نقطن هذه البنايات مكشوفين من قبل سكان الأبراج، أضف إلى ذلك أن مركبات الدفاع المدني يصعب عليها الوصول إلى هذه البنايات، لكونها محاطة بعدد من الأبراج الشاهقة والمتقاربة.

والسؤال الذي يجب أن يطرح لماذا تعطى تصاريح البناء للأبراج في هذه المواقع، ولماذا يسمح بأن تكون المسافة بين برج وآخر قريبة جدا، هل ذلك بسبب عدم وجود مساحة كافية من الأراضي، أنا شخصيا لا أعتقد ذلك، لأن الأراضي واسعة وممتدة عبر نظر العين، ولكن يبدو أن هناك من يضع مخططات عمرانية في مناطق يتكدس فيها العمران.

العيب في المخططات

وتقول يسرى مبجر: من المعروف أن المخططات الجديدة، لا بد أن تعد من خلال دراسات مستفيضة، وكذلك بالنسبة للمكان، يضاف إلى ذلك أهمية وجود تناسق وتكامل في الطوابق والأشكال الهندسية للأبراج، خذ مثلا المخططات التي تعدها بلدية دبي تجد فيها الكثير من التناغم والتنسيق، وهناك بنايات تبنى في بعض المناطق على طوابق محددة، ولا يمكن أن تتجاوز بناية الأخرى.

وفي مدينة الشارقة رغم ظهور المئات من الأبراج، إلا أننا نرى أن التنسيق والتناغم في أعداد الطوابق مفقود، وهناك أبراج أحاطت ببعض البنايات، ومنعت عنها الرؤية، كذلك مواقف السيارات، هي الأخرى شكلت عقبة أمام سكان هذه البنايات، وليس جميع البنايات لديها مواقف للسيارات، فالذي بني قبل سنوات لم يضع في حسبانه، بناء أدوار مخصصة لوقوف السيارات.

بل كان يستغل كل دور وكل مساحة لبناء المحلات التجارية والشقق السكنية، واليوم أزمة المواقف تشكل عائقا كبيرا في حركة السير، ولا أعلم لماذا تعطى التراخيص لبناء الأبراج بالقرب من هذه البنايات التي لا يوجد فيها مواقف، ومدينة الشارقة فيها الكثير من الأراضي الواسعة، وبالإمكان أن تتوزع الأبراج في المناطق التي لا يوجد فيها ازدحام للمرور أو في المناطق ذات الكثافة السكانية.

التخطيط العمراني يحدد أهم شروط المباني الجديدة

تتضمن شروط التخطيط العمراني الخاصة بالمباني التجارية المطلة على بحيرة الخان والممزر بالشارقة وفي المناطق الأخرى، أن يكون الحد الأقصى لعدد الطوابق خمسين طابقا بما فيها الطوابق الخاصة لمواقف السيارات بالنسبة للقسائم التي يتعدى طول واجهاتها عن الأربعة وخمسين مترا، وأن يكون الارتداد الجانبي في طوابق مواقف السيارات (7 أمتار).

كما يجب أن يكون الارتداد الجانبي للأدوار المتكررة (12متراً) من حد القسيمة وارتداد خلفي (5 أمتار) في أدوار المواقف وارتداد خلفي في المتكرر (30 متراً) من حد القسيمة، وتوفير مواقف للسيارات حسب ما هو معتمد بلائحة شروط ومواصفات البناء في الإمارة.

وأن ينسجم منظر واجهات أدوار مواقف السيارات مع مظهر واجهات البناية العام من الناحية الجمالية، إلى جانب ضرورة توفير مواقف 100% حسب ما هو معتمد في مواصفات واشتراطات البناء في إمارة الشارقة والالتزام بعدد طوابق مواقف السيارات الذي حددها القانون، على أن لا تتعدى (5) طوابق للمواقف ويسمح بعمل سرداب للمواقف الإضافية، هذه بعض بنود قانون البناء في الشارقة والذي صدر في عام 2006، وبالرغم من ذلك شيدت بنايات بدون مواقف للسيارات بعد صدور القانون.

جميل محسن