يعد اختيار مجال الدراسة من أصعب الاختيارات التي تواجه الطلاب بعد انتهاء الدراسة في المرحلة الثانوية، إذ أنها تمثل العلامة الفارقة في مستقبل الطالب، وتؤثر بصورة مباشرة في حياته المهنية، ويكون لها انعكاس على نجاحه في مجال العمل أو العكس.
ويفضل الطلاب من أبناء الدولة اختيار تخصصات بعينها من منطلق دوافع عدة، بعض هذه الدوافع يرتبط بالاستعداد الشخصي للطالب، والآخر يتعلق بمعطيات سوق العمل ومدى الفرص المتاحة أمام التخصص للحصول على فرصة وظيفية مناسبة. بينما يفضل البعض الآخر الدراسات النظرية من منطلق كونها الأسهل في التحصيل والأسرع في فرص النجاح والتوظيف، غير أن الجميع اتفق على ضرورة اختيار التخصص الدراسي الذي يتماشى مع الميول الذاتية. قراءة متأنية جمال سالم يدرس الكمبيوتر ونظم المعلومات، واختار هذا التخصص بعد قراءة متأنية لإمكاناته الخاصة.
وقدراته على الاستيعاب، يقول أن المرحلة الثانوية تشهد تعطشاً من الشباب إلى المعلومات الوافية حول التخصصات الدراسية المختلفة ودور كل تخصص في تأهيل الطالب إلى سوق العمل بحيث يكون قادراً على المنافسة بقوة وبمؤهل يدعمه.والمشكلة كما يضيف سالم هي غياب الحد الأدنى من المؤشرات التي تساعد الطالب على تكوين رأي صائب واختيار سليم يتفق وإمكاناته الشخصية من ناحية ويتماشى مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل من ناحية أخرى، وتظل مسألة انتقال المعلومات في هذا الصدد مجرد انطباعات أو خبرات بعض أفراد الأسرة سبق لهم خوض التجربة التي ينقلونها إلى أفراد لاحقين، وهكذا.
ينفي جمال أن يكون اختيار التخصص معتمداً على سهولة أو صعوبة المواد التي يضمها هذا التخصص، ويؤكد أنها مسألة نسبية تختلف من طالب إلى آخر تبعاً لإمكاناته الشخصية وقدراته الاستيعابية، فهناك طلاب يفضلون المواد النظرية وآخرون يفضلون المواد العملية، والأمر في النهاية متروك لاختيار الطالب بمساعدة أفراد أسرته أو غيرهم.
ويضيف أن دراسة الكمبيوتر ليست من الدراسات النظرية كما يفهم البعض، بل تعد من الدراسات العملية التي تحتاج إلى التطبيق العملي بصورة مباشرة ربما أكثر من أي تخصص آخر.
وينصح سالم زملاءه الطلاب بضرورة الاهتمام باختيار التخصص المناسب لأن هذا هو الطريق الصحيح للحصول على المؤهل الذي يساعد على المنافسة الشريفة للحصول على فرص العمل التي لا يحظى بها المواطنون بسبب عدم توفر التخصص.
إمكانات فردية
سعيد الشافعي يدرس تخصص إدارة أعمال ويرى أن معيار اختيار التخصص هو الإمكانات الفردية ومدى تمتع الطالب بمهارات تساعده على النجاح في التخصص الذي اختاره، ويضيف أن النظر إلى المواد الدراسية فقط من منظور السهولة والصعوبة يعد منظوراً ضيقاً لأن التصنيف يجب أن يضم معايير أخرى أهمها حب الطالب للمواد الدراسية التي يدرسها ومدى استعداده للتفوق فيها ودور أساتذة المواد في تشجيعه على الدراسة.
يضيف الشافعي أنه يدرس مثلاً تخصص إدارة الأعمال باللغة الإنجليزية، ويشعر بالتواصل الجيد مع أساتذة المواد كما يستوعب المحاضرات بصورة طبيعية لأنه يحب هذا التخصص ولديه الاستعدادات التي تعينه على التحصيل، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لو أن طالباً يدرس بنفس التخصص .
ولكنه لا يشعر بارتياح أو استقرار تجاه نفس المواد الدراسية أو تجاه اللغة الإنجليزية، هل سيكون مستواه في التحصيل بنفس القدر؟ والإجابة لابد أن تكون بالنفي.
أما الارتباط بين التخصص الدراسي وسوق العمل فهي مسألة لا يجب النظر إليها أثناء الدراسة، علينا أن ندرس وندخل الامتحانات وننجح ونحصل على الشهادة الجامعية وعلى الله تدبير فرصة العمل لنا، لا يمكن الحكم على المستقبل لأنه بيد الله، ونحن نرى أن بعضاً من الحاصلين على مؤهلات في تخصصات معينة يحصلون على فرص وظيفية في مواقع لا علاقة لها بالتخصص الذي حصلوا عليه، إذن لا يجب أن نسبق الأحداث.
ويختتم الشافعي كلامه مؤكداً على أن المواطن المؤهل بصورة صحيحة يمكنه الحصول على فرصة عمل جيدة، والمستقبل سوف يشهد طاقات من أبناء الوطن ينافسون على المواقع الوظيفية المختلفة.
ميول شخصية
تقول ناعمة النصور أنها اختارت الدراسة في مجال المحاسبة لأنها ترى أنها من التخصصات التي تناسب ميولها الشخصية وتنصح كل زميل وزميلة أن يدقق في اختيار المجال، وفي المجتمع المحلي في الدولة يسهل الحصول على وظيفة في مجال المحاسبة لأنها تدخل في كل المجالات تقريباً، ولأنها مواطنة فإنها تتطلع إلى تقديم خدماتها للوطن في هذا المجال بعد التخرج إذا حصلت على الوظيفة المناسبة.
تؤكد ناعمة أن الطلاب المواطنين لا يقبلون على نوع من التخصصات دون غيرها فالجامعات في الدولة توفر كل التخصصات النظرية والعملية ولكل طالب حرية اختيار مجال التخصص الدراسي الذي يناسبه.
ومسألة النظر إلى سوق العمل قبل التخصص أعتقد أنها نظرة يشوبها قصور في الرؤية لأسباب كثيرة أهمها أن سوق العمل يتغير باستمرار، فلو فرضنا اختيار طالب مثلاً لتخصص الهندسة أملاً في الحصول على وظيفة في مجال الهندسة المدنية، لا يمكن ضمان استمرار حاجة السوق لهذا التخصص حتى ينتهي الطالب من دراسته التي تستغرق أربع سنوات، ولكن على كل زميل اختيار التخصص الذي يشعر بتفوقه فيه.
يقول جميل كرم عميد الخدمات الطلابية بجامعة دبي أن الطلاب المواطنين يفضلون دراسة تخصص إدارة أعمال بحكم أن دبي مركز مالي عالمي، وهذا التخصص يشهد فرص وظيفية واعدة.
ولكن أيضاً باقي التخصصات تتمتع بنفس الميزة والعبرة في أهداف الطالب عند الاختيار، ويضيف كرم أن الجامعة توفر مرشدين للطلاب يضعون المعلومات الكافية بين أيدي الطلاب عن التخصصات المختلفة والمواد الدراسية التي يضمها كل تخصص والاستعدادات التي يجب أن تتوفر في الطالب للنجاح في هذا التخصص أو ذاك، بحيث يمكنه تكوين رأي خاص به لاختيار التخصص الذي يرغب به بحياد تام.
ويضيف أن هؤلاء المرشدين يساعدون الطلاب في استقراء المستقبل الذي يتوقع أن يجده صاحب كل تخصص بعد التخرج والمجالات العملية التي تنتظره والدور الذي يتوقعه منه المجتمع بعد حصوله على الشهادة، وهذا الدور يمكن الطالب من الاختيار الموفق للتخصص الذي يناسب كلاً منهم.
اتجاهان لاختيار التخصص الدراسي
يشكل اختيار الطلاب المواطنون لطبيعة التخصص الدراسي الذي يختارونه بعداً مهماً من عدة زوايا، أهمها زاوية التخصصات التي يحتاجها سوق العمل الذي ينتظرهم باعتبارهم أصحاب المواقع الوظيفية المتقدمة، وباعتبارهم منوطين بتغطية التخصصات الوظيفية النادرة التي لا يقبل عليها المواطنون وتظل قاصرة على الموظفين الوافدين.
وأكد الطلاب المواطنون رغبتهم في المنافسة القوية على الوظائف المختلفة في سوق العمل، وأن اختيار التخصص ينبع من الاستعداد الشخصي لدراسة تخصصات معينة كما يتدخل عنصر الفرص الوظيفية المتوفرة في السوق الواقعي في هذا الاختيار على اعتبار التساوي في الفرص بين الدراسات ذات الطبيعة النظرية مثل الإدارة أو المحاسبة وأيضاً التخصصات العملية مثل الكمبيوتر والهندسة والعلوم والطب.
وتبين أن هناك اتجاهين رئيسيين لدى الطلاب المواطنين، الأول يرى ضرورة مراقبة احتياجات سوق العمل قبل اختيار التخصص ضماناً للحصول على فرصة مناسبة بعد التخرج، بصرف النظر عن القدرات الشخصية وتوافقها مع المواد الدراسية الخاصة بالتخصص، والاتجاه الآخر يرى أن اختيار التخصص الدراسي لابد أن يخضع لمعيار الاستعداد الفردي الذي يضمن النجاح في التخصص بصرف النظر عن حاجة السوق لأن الواقع أن سوق العمل متغير.
د. حفني: التخصصات النظرية لا تقل أهمية عن العملية
يؤكد الدكتور محمد عمر حفني رئيس جامعة دبي على أن التخصصات الجامعية لابد أن تتفق والاحتياجات الفعلية لسوق العمل، والطلاب المواطنون تنتظرهم فرص عمل واعدة في المجتمع الوظيفي ولا فرق بين الدراسة ذات الطبيعة النظرية أو العملية.
فكلاهما يؤدي دوراً لا تستغنى عنه مواقع العمل المختلفة، فهنا في دبي مثلاً تجد الشركات الكبرى تضم في هيكلها الإداري مجموعة من التخصصات المتنوعة لها طابع نظري ولكنها تؤدي دوراً مهماً في تطوير الأداء فهناك مثلاً الموارد البشرية والمحاسبة والتسويق وغيرها، وهذه الأقسام تحتاج إلى توظيف كوادر تدرك أبعاد الدور المنوط بها أداؤه.
يضيف د. حفني أن الجامعة تفتح الآفاق الأكاديمية أمام الطلاب ليواصلوا مجهوداتهم الدراسية والبحثية، ولكن على الطلاب أيضاً دور وهو مواصلة البحث العلمي والدراسة للوصول إلى التفاصيل التي تحملها الكتب والمراجع والدراسات السابقة في كل التخصصات، لأن العلم لا يبدأ من نقطة وينتهي بأخرى.
بل هو حلقة متصلة من النتائج التي تبنى على بعضها البعض، وعلى الطالب المواطن عدم الوقوف فقط على ما يحصل عليه من المعلومات الدراسية، بل عليه تنميتها وتطويرها بالمزيد من الدراسة والقراءة لأن الوطن ينتظر إضافاتهم.
أيمن حجازي


