نورا وبضعة أشقاء صغار أفاقوا على الحياة من دون أمهم التي غيبها الموت عن محيط تلك العائلة.. أما أبوهم فقد تزوج من امرأة أخرى لعله يعيد بوجودها شيئاً من ملامح السعادة إلى واقع أسري وجد هكذا بتقدير رباني.. من هنا تنطلق أحداث حكاية لم تكن متوقعة وفق أدنى التصورات.

لم تبصر نورا لفظ الأمومة إلا في حضرة زوجة أبيها وقد تربت في وجودها، وبحكم براءة طفولية ظلت نورا لا تدرك كم الظلم الواقع عليها من زوجة أبيها التي لم تكن على سعة من الإنسانية لتقبل واقع أطفال هم بالمفهوم الإسلامي والعربي أبناؤها.. نورا عانت وقاست كثيراً قبل أن تعي معنى الظلم.

زوجة أبيها لم تقبل لنفسها لعب دور الأم ساعة، ظلت تعامل نورا وأخوتها الصغار بمنطق الشدة والقسوة والعقاب، لا تسمح لها باللعب مع صديقاتها، وتحرمها من الخروج مع والدها، وتجبرها على أداء متطلبات البيت الكثيرة، وتعاملها بقسوة لا تخلو من الضرب في كثير من المرات.. كل ذلك ونورا لم تجتز في عمرها سنوات الطفولة والمدرسة.

مكرهةً، صبرت نورا على واقع معاش بفعل إرادة المولى التي حرمتها من نعمة الأم، صبرت طويلاً واحتسبت صبرها من أجل راحة في الآخرة أو ربما في الدنيا.. يوماً بعد يوم ظلت نورا تواسي نفسها بعبارات الصبر والتحمل والتفاؤل بالمستقبل، فهي حتماً لن تدوم في ذلك البيت الذي حرمها من أبسط حقوقها الإنسانية والاجتماعية.. «حتماً سأتزوج وأعيش ما تبقى من حياتي في راحة وطمأنينة بعيداً عن تدخلات زوجة أبي وبطشها في براءة الطفولة».. هكذا كانت نورا تواسي نفسها دوماً.

أكملت نورا سنوات شبابها في حضرة ظلم زوجة أبيها، وفي نهاية العشرينات تقدم لها رجل كان متزوجاً وله أبناء.. ترددت كثيراً قبل أن توافق على تلك الزيجة لغرض وحيد.. علها تقابل النكران الذي تعرضت له في طفولتها بإحسان لأبناء زوجها، وبذلك ترضي ضميرها وتفوز بدنياها وآخرتها.

في شهور محدودة أكملت نورا مراسم الزواج وانتقلت للعيش في بيت زوجها مع أبنائه الشباب، أقبلت عليهم ببشاشة صريحة محاولة تعويضهم حرمان الأم الذي عانت بسببه طويلاً، ومن أجل ذلك حرصت على توفير كل ما يتاح لها خدمة لأبناء زوجها.. وضعت نفسها موضع الأم الثانية الحريصة على تعويض الأبناء في كل شيء.. ولسان حالها لا يجيد سوى ملامح الطاعة والولاء والاهتمام بالأبناء.

المفاجأة القاسية تلقتها نورا سريعاً، وأودت بحلمها قتيلاً.. فالأبناء رفضوا وجود تلك الزوجة في بيت أمهم، وقابلوها بنكران وقسوة وخذلان، اجتمعوا على قول لا في مختلف الأحوال، واتفقوا على ردع حسن نوايا نورا بشتى الطرق والوسائل.. كل يوم ينهالون عليها بجمل لا تخلو من الإهانة والتجريح.. «اغربي فهذا المكان ليس لك، وأنت تزوجت أبي طمعاً في جيبه، ونحن لا نريدك في بيتنا».. الكثير من تلك المرادفات القاسية ظلت تصفع آذان نورا صباحاً ومساءً.

وقفت نورا في حالة ذهول قاتمة، تستجدي رحمة الخالق جل وعلا، وتدعو لآخرتها بالراحة والطمأنينة، هي اليوم تكابد أيامها أملاً في انقضاء ما تبقى لها من العمر، لا تريد من هذه الحياة شيئاً سوى العزلة والهرب من الظلم، كيف لا وقد أمست تعيش حالة نفسية حادة وهي منطوية على ذاتها ولا تجد من يقدر فيها إنسانيتها المسلوبة منذ الطفولة وحتى سنوات ما قبل انتهاء أجلها.

نهاية المطاف أيقنت نورا أن الظلم كائن سوداوي ينسج ذاته على هيئات متكررة، تارة يقع من الكبير على الصغير، وتارة أخرى ينقلب على الكبير ولن تتوقف أشكاله طالما أن ملامح الخوف من الله سبحانه وتعالى قد تلاشت من وجوه البشر.

دبي ـ عنان كتانة