بين فترة وأخرى تعاني منطقة الخليج من أزمة رياح قوية محملة بالغبار والأتربة، وهي أزمات تؤثر على تفاصيل الحياة اليومية وتعطل الأعمال بالإضافة إلى أنها تشل حركة الطيران وتتسبب في الخسائر، ناهيك عن تأثيرها الصحي على الأشخاص الذين يعانون من أمراض صدرية مثل ضيق التنفس والحساسية والربو، إضافة إلى ما تسببه الأتربة المحملة مع الرياح من تلف للأجهزة والآليات.

لذلك فإن إيجاد خطة وإعداد مسبق واحتياط لإدارة الأزمات للغبار والأتربة خاصة له أهمية قصوى، لأنها أزمة دائمة الحدوث، كما أنها غير معروفة المصدر، فبعض الخبراء البيئيين يرجعونها إلى أسباب التحول المناخي والتصحر وتقلص طبقة الأوزون، وآخرون يعزونها إلى ما تثيره الحروب حولنا من تحريك الأراضي والأتربة، بالإضافة إلى عملية التحطيب الجائر وزيادة مساحة المنطقة الصحراوية. ومن هنا يحتم علينا التفكير في دراسة وبحث الموضوع لمعرفة مدى استمراريته ومدى تطوره، ومن ثم وضع الحلول قصيرة وطويلة المدى، مع مراعاة أهمية حماية البيئة والحيوانات إلا أنه يجب علينا أيضاً أن نحمي الإنسان من هذه الظاهرة وزيادة الوعي عنده بسلبياتها ومعالجتها.

بالإضافة إلى وضع الحلول لها سواء على مستوى فردي وجماعي، وللحديث عن تفاصيل هذه الغبار التقت «البيان» الدكتور رياض حامد الدباغ مستشار جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا والذي قال: إن إدارة الأزمات والكوارث ووجود حزام أخضر دائري حول المدن خطوة في غاية الأهمية للحفاظ والحماية من العواصف الترابية والعوالق أو الملوثات البيئية.

وكشفت الدراسات الحديثة أن الغبار يعد أحد أهم ظواهر البيئة الصحراوية، التي تتميز بقلة النباتات الطبيعية والغطاء النباتي لأسباب مناخية، لكن خطورته على الصحة أقل من خطورة الجسيمات العالقة بالهواء، نتيجة دخان المصانع وعوادم السيارات، وبناءً على الدراسات المناخية أيضاً فإن التغير المناخي المرافق لزيادة درجة حرارة الأرض ساهم في تكون ظواهر مناخية عالمية لم تكن معروفة من قبل مثل العواصف الترابية الشديدة والجفاف والأعاصير والفيضانات.

وأضاف الأسباب المحلية المتمثلة بالرعي الجائر وارتياد الصحراء ساهمت في زيادة الجسيمات العالقة المحمولة بواسطة الرياح في إيجاد ظاهرة الغبار، على الرغم من أن حجم الجسيمات القادمة من الصحراء يبدو كبيراً إذا ما قورن بحبوب اللقاح وأملاح البحر، لكن عملية تصادمها مع بعضها البعض والأرض التي تعمل تفتتها وزيادة تركيزها وبقائها عالقة فترة طويلة في الغلاف الجوي، وهذه الجسيمات العالقة أو ما يعرف بالغبار الجوي هي عبارة عن جسيمات دقيقة وعالقة بالغلاف الجوي وتكون في حالة صلبة أو سائلة أو غازية.

ومع أن أحجام هذه الجسيمات المتناهية في الصغر بحيث لا تتعدى الميكروميترات فإن الكثير من الأشخاص يشعر بها ويتأثر خاصة الأشخاص الذين يعانون من أمراض تنفسية، لأن سرعة الرياح وصغر حجم هذه الجسيمات يجعلها تبقى عالقة لفترات طويلة في الغلاف الجوي، وتعود مصادر انبعاث الجسيمات العالقة إلى مصدرين أساسيين هما الجسيمات الرئيسية التي تنطلق بشكل مباشر إلى الغلاف الجوي، والآخر الجسيمات الثانوية التي تتكون نتيجة عملية تحول وتفاعل كيميائي في الغلاف الجوي.

وأشار الدباغ إلى أن هذه الجسيمات من الممكن أن تنتقل إلى مسافات بعيدة عن مصدرها لأسابيع عدة إلى أن تستقر على سطح الأرض وقد تنشأ الجسيمات العالقة من مصادر طبيعية كالغبار الناتج عن حركة الرياح أو عن عمليات تبخر البحار والمحيطات أو حبوب اللقاح أو احتراق الغابات أو البراكين وما يصاحبها من انبعاث للغازات، كما من الممكن أن تترسب على سطح البحار.

أما عن الجسيمات الاصطناعية قال إنها تنشأ نتيجة احتراق الوقود الأحفوري الناتج عن مصافي البترول ومحطات الطاقة، وما ينتج عنها من ملوثات غازية وجسيمات متطايرة تسهم بشكل كبير في تلوث الهواء الجوي، هذه الملوثات المنبعثة تتفاعل مع أشعة الشمس، خاصة في ساعات الصباح الباكر، حيث يتم حجز الملوثات بأنواعها بالقرب من سطح الأرض كغاز ثاني أكسيد الكبريت.

كما تنتج الجسيمات الصناعية عن عوادم السيارات، وتؤكد الدراسات أن التعرض للجسيمات المنبعثة من عوادم السيارات أخطر بكثير من القادمة من الصحراء، وذلك نتيجة احتوائه على مركبات كيميائية كربونية تمثل 40% من مجموع الجسيمات العالقة، ودليل ذلك زيادة حالات الربو بنسبة 60% عند المقيمين بالقرب من الشوارع المزدحمة عن باقي الأطفال.

وعن الجسيمات الكبيرة بيّن الدباغ أنها تستقر أو تحجز في الجهاز التنفسي العلوي للإنسان بواسطة الشعيرات والتجويفات الموجودة في هذا الجهاز، ومن ثم يستطيع الإنسان إخراج هذه الملوثات بسهولة في حين ان الجسيمات المتناهية الصغر تمر مخترقة جميع الحواجز لتهاجم الجهاز التنفسي والرئة والشعيرات الهوائية، وتؤكد الدراسات ارتباط وتركيز الجسيمات العالقة بالهواء مع زيادة عدد الوفيات والاعتلال الصحي خصوصاً عند كبار السن والأطفال، لأن المناعة لديهم ضعيفة.

وأوضح الدباغ أن الحل في وضع برامج بيئية للحد من مصادر التلوث والوقوف على الأسباب هذه الظاهرة ومعالجتها، إلا أن موضوع الغبار يحتاج إلى مزيد من الجهود الدولية والمحلية، والتخطيط لزيادة حجم ومساحة الحزام الأخضر، والعمل على زيادة سلسلة الحدائق، بالإضافة إلى التعاون مع الجهات الصحية لوضع خطة توعية ليكون المواطن قادراً على إجراء الإسعافات الأولية بدلاً من ارتباكه أو هلعه، الذي عادة تكون نتائجه سلبية وتعوق مجهودات الجهات المختصة.

وعلى المستوى الفردي فإنه لا بد من توعية المواطنين بالحلول والعلاج سواء في أماكن العمل أو المنزل، بحيث لا بد من إرشاده إلى الإجراءات السهلة التي يمكنه القيام بها لحماية نفسه ومنزله من موجات الغبار ومنها، وضع أشرطة لاصقة وأشرطة أسفنجية تحت الأبواب وعلى جوانب.

والتأكد من سد أي فتحات سواء من المكيفات أو مراوح سحب الهواء، والأهم هو التأكد من إحكام إغلاق النوافذ ووضع قطع أو أشرطة أسفنجية مبللة لاصقة، ولزيادة الاحتياط يمكن لبس أقنعة واقية من الغبار، ولجوء إلى استخدام أجهزة تنقية الهواء التي تساهم في الحد من مشكلات الغبار.