شهدت الآونة الأخيرة اهتماماً متزايداً بمجال توليد الكهرباء من أشعة الشمس. لكن هل حقاً تحمل هذه الفكرة بين طياتها أملاً حقيقياً لمستقبل مشرق، أم انها مجرد فجر زائف؟ كما أن للطاقة الشمسية مؤيديها المتحمسين فإن لها أيضاً نصيبها من المعارضين والمنتقدين الذين يعتقدون أن الآمال الكبيرة المعلقة عليها مفرطة في التفاؤل لدرجة انها قد تبدو حالمة وبعيدة عن الواقعية.
ويقول هؤلاء ان تكلفة خلايا الطاقة الشمسية باهظة، إذ يتطلب تصنيعها كمية كبيرة من المواد والطاقة، وذلك فضلاً عن أن كفاءتها منخفضة جداً، حيث تستطيع، في أفضل الأحوال، تحويل 20 بالمئة فقط من أشعة الشمس الواردة إليها إلى طاقة يمكن الاستفادة منها.
ولذلك، يقول المشككون ان خلايا الطاقة الضوئية لن تمثل إلا جزءاً صغيراً ومكلفاً من خليط موارد الطاقة في المستقبل. ففي المناخات المعتدلة كثيرة الغيوم التي تسود أجزاء كبيرة من أوروبا وأميركا الشمالية، تستلزم تلبية احتياجات السكان من الكهرباء، نظرياً، تغطية 5 إلى 15 بالمئة من إجمالي مساحات اليابسة بألواح الطاقة الشمسية.
لكن مثل هذه الانتقادات ربما يتم معالجتها من خلال جيل جديد من الخلايا الشمسية يوشك ان يدخل إلى خطوط الإنتاج التجاري قريباً. وتتميز تلك الألواح الجديدة لتلك الخلايا بكونها رقيقة ولينة ومرنة، على نحو لا يستهلك سوى جزء ضئيل جداً من المواد وقليلة التكاليف بالمقارنة مع الألواح التقليدية المستخدمة حالياً.
وقد تقدم التكنولوجيا الجديدة الدفعة المهمة التي تحتاجها الطاقة الشمسية في هذه الفترة، فاتحة الطريق أمام طيف عريض من التطبيقات الجديدة، بدءاً من الهواتف المتحركة والكمبيوترات التي تعمل على الطاقة الشمسية إلى مولدات الطاقة المضغوطة المسطحة التي يمكن تثبيتها على جوانب الأبنية المنحنية أو حتى على نوافذها.
وللمزاوجة ما بين الكفاءة العالية والتكلفة المتدنية كان على العلماء أن يفكروا بحلول إبداعية مبتكرة. وكانت ألواح الطاقة الشمسية تتألف تقليدياً من طبقة مسطحة واحدة من مادة شبه موصلة ممتصة للضوء.
ويتمثل أحد البدائل التي يتم استكشافها حالياً في استبدال تلك الطبقة بطبقة شفافة رقيقة من أسلاك شبه موصلة مستنبتة بشكل عمودي على مستوى نانومتري، حيث يتم احتجاز الضوء في هذه الغابة من الأشجار المنمنمة، ليرتد بين الأسلاك النانومترية الرئيسية. «وهكذا يتم تعزيز كفاءة امتصاص الضوء إلى أفضل مستوى ممكن،» كما يقول علي جافي، كبير الباحثين العاملين على تطوير هذه المواد الجديدة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي.
لكن الامتصاص وحده لا يكفي، إذ لا بد من تحويل الضوء إلى حامل للشحنات الكهربائية، كالإلكترونات، التي سيصار إلى استخلاصها من الأسلاك وإرسالها إلى الشبكة الكهربائية.
وهنا تلعب البنية البلورية للأسلاك المنمنمة دوراً حاسماً، لأن أية عيوب في تلك الهيكلية من شأنها أن تشكل أخاديد تسقط فيها الإلكترونات، مما يتسبب في إعاقة حركتها وبالتالي إضعاف الكفاءة الإجمالية لخلية الطاقة الشمسية. والمشكلة ان السليكون الذي تصنع منه خلايا الطاقة التقليدية معرض جداً لمثل تلك العيوب، وهو ما دفع جافي وزملاءه إلى إجراء التجارب على شبه موصل بديل هو تيلوريد الكاديوم.
وكانت الخلايا الضوئية الناتجة اقتصادية في استهلاك المواد، لكن كفاءتها كانت منخفضة، إذ لم تحول سوى 6 بالمئة من الإشعاعات الشمسية إلى طاقة يمكن الاستفادة منها. لكن التحسينات التي أدخلت على التحسين بعد ذلك من قبل هاري أتواتر وزملائه في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا وأعلن عنها في فبراير الماضي نجحت في كفاءة الخلايا الضوئية الجديدة إلى 20 بالمئة، وهو نفس الرقم الذي تحققه أفضل خلايا رفع السيلكون الموجودة الآن، لكن مع فارق مهم في استهلاك المواد وفي الحجم والمرونة، التي تتيح ثني وحني الخلايا الشمسية الجديدة لملاءمة مختلف أنواع السطوح.
«حتى أنه يمكن دمجها في تصميم المباني كمكونات تلائم شكل بلاط الأسطح»، كما يقول أتواتير، الذي أسس شركة تدعى «ألتا ديفايسيس»، للقيام بهذا العمل، وتلقى أخيراً منحة من وزارة الطاقة الأميركية لتمويل أبحاثه في هذا المجال.
منذ إطلاق أول خلية ضوئية في 1954، تمكن العلماء من مواصلة رفع كفاءة خلايا الطاقة الشمسية، بشكل رئيسي عن طريق تحسين نقاوة المواد المستخدمة، وهي استراتيجية محدودة الفوائد على المدى البعيد. وبالنسبة للمواد البديلة، فهي تحتوي على الأغلب على عناصر مثل التليريوم والإنديوم والسلينيوم، ومن البديهي أن يتحمس العلماء لأي تقنية من شأنها خفض كمية المواد اللازمة لاستثمار طاقة الشمس.
كما ان خفض التكلفة الإجمالية يجعل التكنولوجيا متوفرة على نطاق أوسع أمام الاقتصادات النامية، التي يتمتع العديد منها بوفرة أشعة الشمس وشح السيولة النقدية. وربما تكون هذه آخر فرصة لكي تثبت تقينات الخلايا الشمسية الجديدة كفاءتها بينما يتم تبنيها في التطبيقات العملية.
والحديث الآن عن تعميم تقنيات نانوميترية مصغرة على نطاق كبير يبدو واعداً، وإن كانت هذه ليست المرة الأولى التي يتم الإعلان فيها عن إنجازات مهمة في تكنولوجيا الطاقة الشمسية. لكن هذا الجيل الجديد من خلايا الطاقة الشمسية، بدمجه بين الكفاءة والاقتصاد والمرونة، يتيح أخيراً لأنصار تكنولوجيا الطاقة الشمسية إسكات المشككين في جدواها إلى حين.
