تبرز في مدينة هامرفيست النرويجية الواقعة في أقصى شمال العالم، حيث لا يكاد المرء يرى ضوء النهار إلا بشكل عابر طيلة أشهر الشتاء، محطة ستاتويل للغاز الطبيعي المسال وسط محيطها الطبيعي المغطى بالثلوج كأنها غابة من المعادن والاسمنت. لكن ستاتويل ليست محطة طاقة عادية، وإنما هي جوهرة على تاج ما يعرف بتكنولوجيا احتجاز وتخزين الكربون، والتي تتمحور حول فكرة تجميع الكربون المنبعث من احتراق الوقود الأحفوري ومن ثم إعادته إلى باطن الأرض.

الوظيفة الأساسية لهذه المحطة هي توفير الغاز الطبيعي من النوع الملائم لاستخدامات التدفئة المركزية والطهي. ولابد من إسالة الغاز من أجل نقله، وهذا يتطلب تنقيته من عدد من الملوثات، بما في ذلك ثاني أكسيد الكربون.

والحل شفط ثاني أكسيد الكربون الناتج عن هذه العملية وضغطه ثم ضخه إلى أعماق الطبقات الصخرية الباطنية تحت قاع بحر الشمال. وهناك الآن ما يقارب نصف مليون طن من ثاني أكسد الكربون تحت حقل سنوفيت للغاز الطبيعي، الواقع على مسافة 150 كيلومتر من محطة ستاتويل. وتقدر الشركة التي تدير المحطة انها ستخزن حوالي 700 ألف طن كل عام من الآن فصاعداً، وأن هناك في المياه المحيطة بأوروبا متسعاً لتخزين 150 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون.

وتبدو تكنولوجيا احتجاز وتخزين الكربون حلاً جذاباَ جداً لمشكلة التغير المناخي، خاصة انها تتيح لنا مواصلة نمط حياتنا الحالي الذي اعتدنا عليه، بحسب مارتن ليند، المستشار البيئي لدى شركة «يو أند في» في العاصمة السويدية استوكهولم، والذي يضيف أن «هذه الطريقة تقدم أيضاً الحل الوحيد الذي يعالج المشكلة بشكل مباشر.

ففي حين أن التحسينات الرامية إلى رفع كفاءة استهلاك الطاقة والجهود المبذولة لتطوير مصادر الطاقة المتجددة ربما تقلل من جاذبية خيار الوقود الأحفوري، فإنها لا تحول دون حدوثه.»

لا عجب إذن أن العديد من الحكومات العالمية بما في ذلك الحكومة البريطانية قد تبنت استراتيجية تطبيق تكنولوجيا احتجاز وتخزين الكربون. حتى ان وزير الدولة البريطاني لشؤون الطاقة والتغير لمناخي، إيد ميليباند، قال أخيراً، انه «ليس أمامنا أي بديل واقعي لطريقة احتجاز وتخزين الكربون، إذا كنا جادين في محاربة التغير المناخي والإبقاء على مزيج متنوع من مصادر الطاقة لاقتصادنا.»

وقد تعهدت الحكومة البريطانية ببناء أربع محطات نموذجية، وجرى حديث عن مواقع ممكنة في بحر الشمال. لكن إلى الآن لا تعدو تلك الخطط كونها نوايا متحمسة في ظل غياب برامج عمل فعلية.

ويقول المنتقدون ان الأموال اللازمة للاستفادة بشكل جدي من تكنولوجيا احتجاز وتخزين الكربون تتطلب قرارات اقتصادية صعبة، لا يبدو ان الحكومات مستعدة لاتخاذها في هذه المرحلة. ويقول ليند: « بالتأكيد هناك الآن استثمارات ضخمة في هذا الميدان، لكنها غير كافية بأي حال من الأحوال لجعل أسلوب احتجاز وتخزين الكربون مساهماً مهماً في مقاومة تأثيرات التغير المناخي في العشرين سنة المقبلة.»

وهناك أيضاً قضايا تتعلق بالسلامة، بما في ذلك المخاوف من احتمال تسرب غاز ثاني أكسد الكربون من الطبقات الصخرية المخزن فيها ليجد طريقه ثانية في نهاية المطاف إلى الغلاف الجوي. لكن اللجنة الحكومية البريطانية المشتركة للتغيير المناخي تعتقد أن تلك المخاطر منخفضة وتقول انه في مواقع التخزين الجيولوجية المختارة والمصممة على أسس سليمة، يفترض أن يبقى 99 بالمئة من كميات ثاني أكسيد الكربون المخزنة في مكانها لألف سنة على الأقل.

لكن هناك مخاوف أخرى، تبدو أكثر سوداوية، مردها إلى الاعتقاد بأن تخزين ثاني أكسيد الكربون في باطن الأرض ربما يتسبب بالزلازل. ولقد حذر عالم الزلازل آرنست مايجر الكونغرس الأميركي بأن النشاط الزلزالي ربما يكون من بين الآثار الجانبية غير المرغوب بها لتكنولوجيا احتجاز وتخزين الكربون وأكد على ضرورة وضع تجهيزات عالية التقنية لمراقبة النشاط الزلزالي في مواقع تخزين الكربون.

تأثير التكنولوجيا

يحذر العديد من الخبراء من أننا ما زلنا نجهل الكثير عن التأثيرات المحتملة لتكنولوجيا احتجاز وتخزين الكربون على المياه الباطنية والأنظمة البيئية المجاورة، ناهيك عن تأثيراتها المتوقعة على النشاط الزلزالي. وكما هو الحال مع أي تكنولوجيا جديدة، لا بد من القيام بأبحاث مكثفة في هذا المجال قبل الجزم بسلامته البيئية.

وتعكف شركة ستاتويل النرويجية الآن على بناء مركز أوروبي كبير من أجل تطوير واختبار تكنولوجيا احتجاز الكربون في مصفاة مونجستات. من المؤكد ان بعض تلك القضايا المعلقة ستستفيد من هذا الاستثمار الكبير، لكن لا يزال أمامنا وقت طويل لنعرف ما إذا كانت هذه التكنولوجيا الحديثة نسبياً سترتقي إلى مستوى الآمال المعلقة عليها على المدى البعيد.

إعداد: علي محمد