لم يكن فان كوخ، الفنان الهولندي الشهير، هو من قطع أذنه بنفسه، كما نقلت لنا الروايات الكثيرة، بل إن صديقه بول غوغان هو من فعلها على خلفية شجار بينهما على إحدى بنات الليل، حيث كانا يقيمان معاً ذات صيف شهير في بلدة آرل بجنوبي فرنسا.
هذا ما كشفت عنه النقاب آخر الأبحاث الألمانية، لتظهر لنا وجهاً آخر لغوغان مختلف عما نراه في لوحاته التي تميل لتصوير الطبيعة والنساء.
بعد تلك الحادثة بسنوات قليلة، أي في العام 1891، أبحر غوغان من مرسيليا متجهاً نحو تاهيتي، التي كانت آنذاك مستعمرة فرنسية، بحثاً عن عالم أكثر هدوءاً ونقاءً وبراءة من عالمه في فرنسا، وبعيداً عن الجو المشحون بالغضب والانفعال الذي كان يعيشه مع صديقه الفنان الهولندي الكبير وخلافاتهما المستمرة حول الفن والحياة، حيث كان فان كوخ يميل إلى رسم ما يراه، بينما كان غوغان يعتمد على ذاكرته.
في السنوات الاثنتي عشر التي قضاها غوغان في تاهيتي رسم أعظم لوحاته، بل وقدم أجمل الأعمال للفن الحديث.
غير أن لغوغان وجهاً آخر يخفى على الكثير، ويتجلى واضحاً عند الباحثين ونقاد الفن، الذين ذكروا أن معرض لوحات غوغان، المزمع إقامته في لندن قريباً، ما هو إلا شاهد زور على المكان والبشر والفنان نفسه. فحين وصل غوغان إلى تاهيتي، أصابه الإحباط مما رأى، حيث كان يتخيل أن النساء لا بد وأن يكن عاريات، أو شبه عاريات، يسرن في الشوارع دون حسيب أو رقيب، غير أنه رأى منظراً آخر مختلف تماماً.
حيث كانت متغيرات متوالية قد نجحت في تحويل الناس هناك إلى سكان متدينين ومحافظين، وبالتالي لم ير غوغان من هاته النسوة سوى أيديهن ووجوههن، وسط مجتمع محافظ، لكنه رغم ذلك أصر على أن يصور تاهيتي في لوحاته جزيرة أخرى غير التي وجدها في الواقع، جزيرة أحلام، مليئة بنساء يلبسن ملابس بدائية، لا تغطي إلا جزءاً يسيراً من أبدانهن.
وكان غوغان فناناً انطباعياً يمتلك خيالاً واسعاً، فرضه على واقع مغاير، فلوحاته تدل على وجود ربط بين ماضٍ بعيدٍ وخيال شخصي.
لوحة «باراهي»، على سبيل المثال، والتي رسمها غوغان عام 1892، تصور حقلاً أصفر اللون محاطاً بسياج مزين برسوم شبيهة برأس يرمز للموت، هو من بنات أفكار غوغان، قد يكون استنبطه من اطلاعه على ثقافات معينة في باريس، مستفيداً ربما من روايات أكلة لحوم البشر البولينيزية، ولم يكن في تلك اللوحة ما يعكس رأي الجمهور، أو مخاوفهم من الواقع اليومي في تاهيتي، كما قد يتوهم من يرى اللوحة.
أحد الباحثين قال إن غوغان كان عبقرياً في تحريف الحقيقة، ففي عام 1897 نشر كتاباً يحوي قصصاً كثيرة عن تاهيتي، ادعى فيه أنها فتاة بالجزيرة ارتبط بها، وفي الحقيقة أنه نسخها عن كتاب للمؤلف مويرنهاوت يحمل عنوان «رحلات إلى المحيط الكبير».
وقد رسم غوغان نفسه بالدرجة ذاتها من الخيال المحلق، حيث أسمى نفسه «إنكا» في إشارة إلى حضارة الإنكا في البيرو، التي عاش فيها جزءاً من طفولته، إذ إن والده كان فرنسياً ووالدته كانت من البيرو، واضطرا للسفر إلى البيرو بسبب المناخ السياسي السائد في فرنسا آنذاك، وعندما بلغ من العمر سبع سنوات عاد إلى فرنسا، لكن الفترة القصيرة التي قضاها في البيرو أثرت.
فيما يبدو، في فنه فيما بعد. وأثار غوغان استهجان معاصريه عندما رسم نفسه على هيئة شخصية دينية عام 1889 بشعر أحمر، كما فعل صديقه الفنان فان كوخ. غوغان امتهن الفن واعتزل عالم المال والأعمال، حيث كان يعمل سمساراً ناجحاً للأسهم، ولم يجلب له الفن، في حياته، سوى الإفلاس والمرض والكآبة، ولاحقاً الموت، شأنه في ذلك شأن الكثير من الفنانين في ذلك العصر تحديداً، ومنهم صديقه اللدود فان كوخ.
