يرتشف حليم علم الدين رشفةً طويلةً، من قدح الشاي بالحليب الساخن... يسند ظهره إلى الوراء قليلاً، ثم يمارس هوايته المعتادة: التحديق في المارة وتفحص وجوههم.
على كرسيه المتهالك، اعتاد الجلوس يومياً، بعد صلاة العصر، وأمام مدخل البناية القديمة التي يتولى حراستها منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، يشعر بأنه سلطان ذو صولجان.
يقول: أتيت إلى الإمارات غريراً، كان شعر لحيتي لم ينبت بعد، وتنقلت من وظيفة إلى أخرى... عملت «حمّالاً» في سوق السمك والخضروات القديم، ثم في شركة مقاولات، حتى وصلت إلى وظيفتي الحالية: حارس بناية.
رأيت أبوظبي الأولى، وشاهدت بأم عيني معجزة تحول الرمال الصفراء إلى واحات غنّاء، ورأيت العمران إذ يمتد فتتراجع أمامه البادية.
عندما تسلمت وظيفتي، كان عمري أقل من الخامسة والعشرين، مفعماً بالقوة والشباب والحيوية، وكانت البناية التي أحرسها، تعد واحدة من أكبر وأحدث البنايات في أبوظبي، والآن ها هو عمري يعدو إلى الستين مسرعاً، وقد اشتعل الرأس شيباً، وأصابني الوهن، ولحقت بي أعراض الشيخوخة، وعلى رأسها: ضغط الدم، كما أصاب البناية بدورها مجموعة أمراض مزمنة، منها: تعطل المصعد الدائم، وطفح المجاري، وانقطاع التيار.ظعندما تم الانتهاء من تشييد البناية، كان معظم سكانها من الأسر العربية، مصريون وفلسطينيون وسوريون وعراقيون، بعضهم جاء إلى الإمارات معدماً لا يكاد يملك قوت يومه، ثم فتح الله عليه، وبعضهم لم يجد فرصته، فعاد من حيث أتى.
رحل سكان وجاء آخرون، وبقيت أنا لا أبرح غرفتي الصغيرة، ولا أفارق مقعدي على الباب، خلال فترة ما بعد صلاة العصر حتى العشاء.
معظم السكان الآن عزّاب، يتشاركون الغرف، لكنهم جميعاً على خلق كريم، ويعاملونني معاملة حسنة... بعضهم قريب إلى قلبي، إلى درجة أن عاطفة الأبوة تغمرني حينما أرى أحدهم مغموما مهموماً.
جف حلقي وأنا أحث الورثة ملاك البناية الحاليين على عمل الصيانة، لكن أحداً لم يعرني أذناً، وقبل أسبوعين علمت أنهم بصدد هدمها، وتشييد فندق كبير بدلاً منها.
المرحوم مالك البناية وبانيها، كان شديد الاعتزاز بها، وما كان ليفكر في هدمها، فقد تزوج في الشقة التي خصصها لنفسه على كامل مساحة الطابق العلوي، وفيها أنجب ابنه الأول، قبل أن ينتقل إلى فيلا خارج المدينة.
يقول الورثة: إنها سنة الحياة... أعلم أنهم على حق، فالفندق الكبير أهم من البناية المتهالكة، ولكن في قلبي غصة كبيرة، ووجع دفين... لا أريد أن أبقى في أبوظبي، حتى يحين موعد الهدم... لو رأيت البناية تتهاوى سأشعر بأن جزءاً كبيراً من عمري، يذهب هباءً منثوراً. يتوقف حليم عن الكلام برهة، ثم يسحب نفساً عميقاً ببطء، ثم يخرجه من رئتيه بعنف، كأنما يريد أن يطرد هماً ثقيلاً من أعماقه، ويرتشف الرشفة الأخيرة من قدح الشاي بالحليب، ويسترسل في كلامه قائلاً: سأعود إلى وطني باكستان، ولكني لا أعرف كيف ستكون حياتي هناك؟
زوجتي توفيت قبل خمس سنوات، ولم يرزقني الله بالذكور، ولي ابنتان حرصت على تعليمهما إلى الجامعة، لكنهما بعد الزواج هاجرتا إلى كندا بصحبة زوجيهما، وليس لي أصدقاء في وطني... حياتي كلها في أبوظبي.
الورثة يقولون لي: إن بوسعي البقاء، وسيوفرون لي عيشة كريمة امتناناً للعشرة الطويلة، والخدمة المتفانية لهم، غير أني لا أحسب نفسي قادراً على مشاهدة معاول الهدم تنهال على البناية التي حفظت أسرار عمري، ساعتها سأشعر بأني أصبحت منتهي الصلاحية، وبأن قرار هدمي قد يصدر علي في أية لحظة.
يصمت حليم برهةً ثم يعيد طرح السؤال كمن يتحدث إلى نفسه: كيف ستكون حياتي في وطني الذي لا أعرفه؟
هل أجلس في بيتي منتظراً قرار هدم سيأتي لا محالة، أم سأجد شيئاً ما يشعرني بأني لاازل على قيد الحياة؟
أبوظبي- محمد مصطفى موسى