عرف العالم عن البولنديين أنهم شعب معتد بنفسه الذي لا يشعر بالكثير من المودة تجاه الجارة الكبرى ألمانيا صاحبة أقسى احتلال عرفوه، فعمدوا إلى غسلها بسيلٍ من الثوار الذين أقلقوا راحة الرايخ الثالث.
ويعرف عنهم أيضاً أنهم من دقوا الإسفين الأول في نعش المعسكر الاشتراكي مطلع الثمانينات عبر ليخ فاليسا. وعرفهم العالم أكثر فأكثر مؤخراً ورفع لهم القبعات احتراماً لما رآه من تماسكٍ والتفافٍ ورقة تخفي خلفها صلابة حديدية إثر فاجعة سقوط الطائرة الرئاسية التي ذهبت بخيرة قيادات البلاد. ولادة هي بولندا إذاً للقادة المناسبين في المكان والزمان المناسبين.
ولا غرو، فها هو رئيس الوزراء دونالد تاسك، خريج كلية التاريخ من جامعة مدينة غدانسك، يتقدم لينفض عن شعبه رماد الكارثة، فينهض كطائر العنقاء من جديد ويعلن أن لا خوف على دولة المؤسسات بوجود رجال دولة مقتدرين. ولد تاسك لأبٍ يعمل في مهنة النجارة، كان والده موظفاً في هيئة سكك الحديد، وأمٍ تعمل ممرضة.
ورغم نشأته المتواضعة تلك وانتمائه لأقلية عرقية تسكن المناطق الحدودية والأقلية البروتستانتية في بلدٍ جله من الكاثوليك المتدينين، نجح تاسك في خط طريقٍ سياسيٍ مختلف حمل الناخبين على رمي تلك الخلفيات في سلة النسيان.
رشح هذا الليبرالي المعارض لتدخل الحكومة في كل شاردة وواردة في إدارة البلاد والمؤيد بقوة لمبدأ اقتصاد السوق نفسه لانتخابات الرئاسة العام 2005، قبل أن يخسرها أمام الرئيس الراحل ليخ كاتشينسكي.. الرجل ذاته الذي وجد نفسه مضطراً ليرثيه. وبعدها بعامين، وكعادة شعبه، وقف على قدميه من جديد لينتصر في الانتخابات التشريعية ويتولى سدة رئاسة الوزراء في نوفمبر 2007.
أثارت سياسات تاسك الكثير من اللغط لمنحاها غير المألوف بحسب المعايير الأوروبية، حيث أعلن عزمه فرض المزيد من الرقابة على شبكة الانترنت والتحويلات النقدية لأسباب أمنية، فضلاً عن تأييده لحظر القمار أو في أقل الأحوال تقييد نشاطاته.
وقبل نحو عام، تعرض لانتقاداتٍ عنيفة من جهة المعارضة لرفضه شراء لقاحات مرض أنفلونزا الخنازير مقللاً من خطورة الوباء، ومدى تأثيره في المواطنين، لتبدي الأيام للأحزاب المنافسة ما كانت تجهل، وينكشف وهن المرض وقوة بصيرة تاسك.
رؤوف بكر
