لا تخلو حياتنا من الأخطاء، فلا يوجد إنسان على وجه البسيطة معصوم عنه، وبلا شك أن للخطأ آثاراً كبيرة أحياناً لا يمكن رأبها، وبغض النظر عن حجم الضرر الناتج عنه إلا أنه يبقى هناك مجال لرأب الصدع من خلال الاعتذار.

ورغم ذلك يكون الاعتذار عن الخطأ في أحيانا كثيرة أمر عسير على أنفسنا، فقلة هم الذين يعتبرون أن الاعتذار دليل لقوة شخصياتهم ومدى ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على المواجهة. وبالتأكيد أن حاجتنا إلى ثقافة الاعتذار، وتعميقها في مجتمعاتنا وبيوتنا أمر ملح نحتاج إليه للنهوض في مستوى حياتنا، خاصة وأن لكلمة الاعتذار مفعول السحر في النفوس، حيث تمتلك القدرة على تغيير السلوك الإنساني. ويبدو أن ثمار الاعتذار والتراجع عن الخطأ بدأت تؤتي ثمارها في مدرسة الاتحاد الخاصة بالممزر، فمع بداية الفصل الدراسي الأول 2009/2010 بدأت إدارة المدرسة بتفعيل حملة الاعتذار عن الخطأ لتشمل كافة أركان المجتمع المدرسي، وهو ما أحدث تغييرا واضحا في سلوك الطلبة الذين أصبحوا يقبلون على الاعتذار عن أخطائهم دون خوف أو رهبة، ليمتد هذا السلوك من نطاق المدرسة إلى البيوت.

«البيان» التقت محمد عودة، نائب مدير المدرسة لقسم البنين، والذي يعود له الفضل في تعميق هذه المبادرة، حيث قال: لطالما اتبعنا في حقل التعليم أساليب متعددة لتقويم سلوك الطالب، مثل أساليب الكلمة الطيبة والمكافأة والشدة والعقاب، وبعد تجربة طويلة في هذا الحقل قررت مع بداية العام الدراسي الحالي اتخاذ منحى آخر مختلفاً مع الطلبة، عنوانه «الاعتراف بالخطأ فضيلة»، نظرا لانفتاح طلبتنا على الحياة بشكل واسع ومختلف عن الماضي».

ويضيف: «صعوبة الاعتراف بالخطأ تجعلنا نتمادى في الخطأ للمحافظة على مظهرنا ومركزنا، وهذا ينطبق على كافة فئات المجتمع وهو ما يجعل التركيبة خاطئة، ولذلك انطلقت في هذه المبادرة من شعار «الانفعال طريق قصير للخطأ والتسرع طريق أقصر إلى التصادم».

وأوضحنا للمعلم بأنه تحت طائلة المسؤولية وتناول الطلاب بكلمات نابية داخل وخارج الصف ممنوع قطعا تحت إي ظرف أو سبب، وندرك تماما بأن الطالب يحب رؤية انفعال المعلم ما قد يزيد من التصادم بينهما.

ولذلك فنحن نسعى من خلال هذه المبادرة إلى تخفيف التصادم واستبداله بالاعتذار عن الخطأ، لأننا نهدف بالأساس إلى أن يكون الطالب مستمتع جيد، وإذا لم يكن كذلك فلن تصل إليه رسالتنا التربوية، وبتقديري أن كل هذه المفاهيم تعتبر حلقة متواصلة لا يمكن تجزئتها، وهي ضرورية لتهيئة الجيل القادم للاعتذار عن الخطأ».

موقف متعمد

تحتاج أية مبادرة إلى تطبيق وتفعيل، ولإنجاحها تعمد عودة أن يخطئ مع احد المعلمين أثناء الطابور الصباحي، ليعود في اليوم التالي ويعتذر له أمام الطلبة جميعا، وقد صادف في ذلك اليوم وجود ثلاثة من أولياء الأمور في المدرسة، كما انه تعمد استخدام كلمة «أرجو»، حيث كان يقصد إيصال رسالة معينة للطالب والمعلم وولي الأمر أيضا بأنه لا عيب في الاعتذار عن الخطأ وأن القوي هو الذي يعتذر وليس الضعيف.

وحول ذلك يقول عودة: «الطلبة هم رعية المعلم وكما نعرف بأن المعلم يبقى في النهاية قدوة للطلبة، وما يمارسه إنما ينعكس على الطلبة أنفسهم، ومن خلال تجربتنا في المدرسة وجدنا انه لا يوجد مجال للتوجيه إذا لم يكن هناك ممارسة لما نقوله، لأن الممارسة العملية هي التي تجعل الطالب يتراجع عن خطئه».

ويواصل: «لقد حرك ذلك الموقف الحافز لدى الجميع لتقبل الاعتذار، وحاليا هناك العديد من الأمور والأحداث التي تقع في القسم، واستطعنا استبدال مبدأ العقاب بالاعتذار عن الخطأ والتراجع عنه، لأننا في النهاية لا نريد أن نعظم خطأ الطالب بل يجب أن نضعه في المنطقة المظلمة من عقولنا في حين يجب علينا أن نسلط الضوء على الأشياء الايجابية التي يقوم بها الطالب حتى ولو كانت صغيرة».

رأي الطلبة

كما أن للهيئة التدريسية دوراً في إنجاح المبادرة كان للطلبة أيضا دور فيها، حيث لم تتوقف عن حدود تعاملاتهم البينية وإنما خرجت لتصل إلى بيوتهم لتصبح سمة لهم في حياتهم اليومية.

وعن رأيه في المبادرة قال الطالب محمد عبد الرؤوف: بلا شك أنها مبادرة جيدة، وقد كان لها وقع خاص في نفوس الطلبة جميعا، خاصة وإنها لم تكن موجودة من قبل في المدرسة، وأجمل ما فيها أنها تعتبر تمهيد لتعليم الطلبة الصغار سلوك الاعتذار، وبلا شك أن هذا السلوك يزرع أشياء جيدة ومحببة في نفوس الطلبة أنفسهم وتجعل العلاقة بينهم أقوى وأفضل وبعيدة عن المشاحنات، لأن الاعتذار سيكون سيد الموقف في حالة وقوع أي خلاف بينهم».

الطالب سلطان السادة قال: «تمثل مبادرة الاعتذار واحدة من أهم القواعد في حياتنا، فهو أمر واجب على الشخص بغض النظر عن سنه أو جنسه، ولا أنكر أننا قبل تطبيق هذه المبادرة كنا نخطئ في المدرسة وهو أمر طبيعي يمر فيه أي طالب، حينها كان العقاب هو الحل.

بينما الآن فقد اختلف الوضع تماما فعندما نخطئ نتوجه إلى المدير أو المعلم ونعتذر له عن أخطائنا ونعاهده على عدم تكراره، ومع تطبيق هذه المبادرة أصبحنا نحن الذين نبادر للاعتذار، لأننا رأينا في احد الأيام بأن مدير المدرسة وهو أكبرنا يبادر بالاعتذار لأحد المعلمين عن خطأ ارتكبه في حقه».

أما الطالب أحمد جمعة مان فقال: «أدرك تماما انه لا يوجد شخص معصوم عن الخطأ، ولكن من الضروري أن نعترف بهذا الخطأ وان نصلحه، وان نحاول ألا نعيد ارتكاب الخطأ مرة أخرى، ووقوف المدير أمامنا والاعتذار بلا شك شجعنا على ذلك وبين لنا انه ليس عيبا بأن يعتذر الشخص عن خطأه.

وقد ساهم الطلبة بشكل كبير في نقل هذه الفكرة إلى الخارج وأصبحوا يطبقونها في بيوتهم وبين أصدقائهم، وقد لقيت صدى كبيراً بينهم لدرجة أن أهلنا شعروا كثيرا بهذا التغيير».من جانبه قال الطالب عبد الله القاسمي: «في البداية يجب أن ندرك بأن الإسلام أصلا علمنا ضرورة الاعتذار عن الخطأ، واعتبر ذلك بأنه فضيلة يجب أن يتمتع بها الإنسان.

وبتقديري أن تعديل الخطأ والاعتذار عنه يعتبر أهم من الخطأ نفسه لأن الطالب في هذه الحالة يدرك بأنه لا يفترض فيه أن يتصرف كذلك، أو أن سلوكه هذا فيه خطأ، واعتقد أن الطالب صادق في اعتذاره لأنه تعلم من أستاذه الذي بادر أصلا بالاعتذار عن الخطأ، ولم يحدث أن عاد الطالب إلى تكرار خطأه بعد قيامه بالاعتذار عنه.

الطالب محمد بلهول قال: «بالتأكيد أن هذه المبادرة لم تؤثر فقط على الطلبة الكبار وإنما على الطلبة الصغار أيضا، وأصبح الاعتذار سمة عامة عند الطلبة وسلوكا يطبق في المدرسة والبيت أيضا، ومنذ انطلاقها بدأنا نشعر بالتغيير لدى الطلبة خاصة إنها أصبحت وسيلة مهمة للتربية في المدرسة، خاصة وان المدرس هو الذي يبادر بالاعتذار».

غسان خروب