تتجه أنظار الكثيرين، على امتداد العالم الآن إلى اثنين من نمور جزيرة سومطرة الإندونيسية محتجزين خلف القضبان، يدوران بشراسة داخل القفص، ينظران شزراً للمارة، وبودهما أن ينطلقا ليفتكا بكل من يجدانه أمامهما. وهما لا يشبهان في شيء الحيوانات الهادئة التي تعيش في حدائق الحيوان الأخرى.

هذان النمران متهمان بقتل ثمانية مزارعين، مع سبق الإصرار والترصد، ورغم ذلك تفكر السلطات السومطرية في إطلاق سراحهما وإعادتهما إلى الغابة مرة أخرى، في تجربة هي الثانية من نوعها التي يتم في إطارها إطلاق سراح نمور قتلت بشراً ومواشي بعد تأهيلها.

وقد أدى التوسع السكاني والاقتصادي في جزيرة سومطرة إلى طرد النمور من مواطنها الأصلية، ونتيجة لذلك ازدادت المواجهات الدموية بين البشر والنمور في تلك المناطق. وفي العام الماضي قتلت النمور تسعة أشخاص على الأقل في جزيرة سومطرة، معظمهم من الحطابين غير المرخصين، الذين يعملون داخل الغابات.

ونجح علماء المحافظة على البيئة، على مدار العشرين شهراً الماضية، في إعادة أربعة نمور إلى الغابة في خطوة تهدف إلى إنقاذ تلك النمور البرية المهددة بالانقراض، ويذكر أن النمور في العالم لا يزيد عددها الآن عن 3 آلاف نمر، وهذا يشكل نسبة 3 % من عددها الحقيقي، قبل قرن من الزمان. أما نمور سومطرة فيبلغ عددها 400 نمر فقط، وهي من أكثر فصائل النمور تعرضاً لخطر الانقراض في العالم.

وقد سبب برنامج إطلاق سراح تلك النمور في البرية مرة أخرى بعض الاستهجان، ليس من طرف المزارعين الذين فقدوا مواشيهم ودواجنهم وشعورهم بالأمان فحسب، بل من جانب جمعيات الحفاظ على الحياة البرية، وعلى رأسها الصندوق العالمي للحفاظ على الطبيعة، التي أبدت ترددها حيال هذا البرنامج، نظراً للمخاطر التي تتعرض لها النمور في البرية. ويمول البرنامج «تومي واناتا»، أحد كبار المستثمرين الأندونيسيين، والذي استغل صلته القوية بالجيش لكي يقوم ببناء إمبراطورية من العقارات والبنوك والمناجم.

أما البرنامج الثاني المتعلق بإطلاق سراح النمور فتشرف عليه «جمعية المحافظة على الحياة البرية» التي أطلقت خمسة نمور في أقصى شرق روسيا: بقي اثنان منها قرب الأحياء السكنية، وتم اصطيادهما بطريقة غير قانونية، والثالث عاد إلى الغابة لكن تم اصطياده، والرابع أفلت من طوقه، وبالتالي صار من المستحيل متابعة أخباره، والخامس مراقب حتى الآن.

ومن المعروف أن النمور تتجنب البشر بشكل غريزي، غير أن نمور سومطرة، على ما يبدو، فقدت ذلك الخوف وبدرجات متفاوتة، وقد أطلق مركز ويناتا نمرين، في يوليو عام 2008، يعتقد المزارعون أنهما قتلا بشراً، وتمت إضافة ربطتين إلى عنقيهما مزودتين بجهازي تتبع، وبحسب الإشارات الصادرة عنهما فقد تبين أن أحدهما اتجه شمالاً، واستقر هناك، بينما مضى الآخر لأبعد من هذا، ليصل إلى المنتزه الوطني. كما أطلق المركز قبل أشهر سراح نمرين، في المنطقة التي تقع في أقصى جنوب جزيرة سومطرة، وهي من المناطق التي يصعب التحرك فيها، خاصة في فترات نزول المطر. أحد هذين النمرين أنثى، وتدعى «سلمى» ويقول أهل القرية المجاورة للمركز إنها قتلت 6 مزارعين.

ويشرف ويناتا على محميته تلك، التي تمتد على مساحة من الأرض تبلغ 45 ألف هكتار، عن طريق طائرة هليكوبتر، ويعمل في مركز تأهيل النمور لديه 80 موظفاً بشكل دائم، جميعهم من سكان القرية، وبالإضافة إلى تشغيلهم، فقد وفر ويناتا لأهل القرية التعليم والعلاج المجاني، وكثيراً ما يدعو كبار أهل القرية إلى بيته لاسترضائهم، على اعتبار أن موافقتهم مهمة جداً للاستمرار في تنفيذ برنامجه في إطلاق النمور. تعيش نمور سومطرة حالة صعبة، حيث يتهددها الخطر من جميع الجهات، فخطر الانقراض يتهددها من جهة، والصيد أو الأسر أو العمران والتوسع البشري يتهددها من جهات أخرى.

إعداد: يوسف جباعته