لا تكفي الكلمات لوصف شعور ما، فلشعور الخوف أو الفرح طعم مختلف ولكل منهما تعابير خاصة، وكثيراً ما سألت نفسي كيف يكون شعور الإنسان وهو سيفقد عزيزاً، وتحديداً فلذة كبده الذي انتظره لسنوات طويلة.
تقول الأم: «للوهلة الأولى ظننت أن ارتفاع درجة حرارة ابنتي ذات الأربعة أعوام عادياً، وإنه ناتج عن إصابتها بالبرد أو الأنفلونزا كما يحدث مع بقية الأطفال في سنها، حاولت بشتى الطرق إنزال درجة الحرارة إلى معدلاتها الطبيعية، ولكنها ما تلبث أن ترتفع، ما دفعني إلى نقلها للمستشفى فقاموا بوضع الكمادات الباردة على جبينها، وكانت تبكي بحرقة فتوقعت أن أعود بها إلى البيت في ذات الليلة، لكن الحالة تكررت في المستشفى فتقرر احتجاز ابنتي في غرفة العناية المركزة لمراقبة وضعها، قاموا بأخذ عينات من دمها وخزعات من مختلف أنحاء جسدها للتحليل، ولم تظهر النتائج أية أسباب لارتفاع درجة الحرارة».
المشكلة التي كنا نواجهها أنه ما تكاد درجة الحرارة تنزل إلى معدلاتها الطبيعية حتى تعاود الارتفاع مرة أخرى، وهو ما أثار مخاوف الأطباء من تأثيرات هذا الارتفاع، منها إحداث إعاقة في الجسم أو إصابتها بالتهاب السحايا.
لذلك وضعت طفلتي تحت الملاحظة طوال الوقت، وفي كل مرة كانت ترتفع درجة الحرارة كان الأطباء يخمنون إصابتها بأحد الأمراض ويعطونها أدوية مضادة له، وهو ما دعاهم إلى إرسال بعض العينات إلى الخارج لتحليلها ومعرفة أسباب ارتفاع درجة الحرارة لكن لم تظهر نتائجهم وتحاليلهم أية أسباب لذلك.
لقد أكل الخوف قلبي على طفلتي فهي الوحيدة لدي، ورزقت بها بعد سنوات طويلة من الانتظار. بعد محاولات الأطباء العديدة قررنا وزوجي وأنا السفر بابنتنا الى الخارج، وقد سافرت الطفلة ضمن تجهيزات معينة، بحيث تتحمل طول الرحلة التي امتدت أكثر من سبع ساعات، وبعد وصولنا كانت سيارة الإسعاف بانتظارنا وتم نقلها على وجه السرعة إلى المستشفى، لتبدأ ابنتي رحلة علاج جديدة.
قام الأطباء بإجراء التحاليل فتبين انتشار فيروس في الدم ولم يتمكن جهاز المناعة لديها من مقاومته، وذلك الفيروس كان يهدد بتدمير جهاز المناعة كاملاً، وهو ما اضطر الأطباء للبدء باستخدام علاجات كيميائية كمحاولة لقتل الفيروس، في البداية كنت أظن أن ابنتي قد أصيبت بسرطان الدم، لكن الأطباء أكدوا أنه ليس سرطاناً.
وإنما هو مرض غريب لم يسبق أن اكتشفوه، واستخدامهم للعلاج الكيميائي كان بهدف القضاء على الفيروس بسبب عدم وجود دواء معين للقضاء عليه. مكثت مع ابنتي نحو ستة أشهر عشتها بحرقة وأمضيت ليلها ونهارها بالبكاء والدعاء إلى الله أن يحفظها لي، حينها شعرت بأن الأيام تمر ثقيلة، خاصة أننا لا نعرف ماذا يحدث معها، في آخر شهرين بدأت ابنتي تستجيب للعلاج.
وبدأت حرارتها تخف تدريجياً حتى استقرت عند معدلاتها الطبيعية لتبدأ باسترداد عافيتها، لم يمسح لنا الأطباء بمغادرة المستشفى وطلبوا منا المكوث لفترة ومراجعتهم، للتأكد من أن كل شيء على ما يرام، بعد رحلة طويلة من العلاج رجعت مع ابنتي وأنا أحمد الله كثيراً بأن أحيا ابنتي بعد موتها، وأن دعاء كل من أعرفهم كان يحوم فوق رأس ابنتي.
غسان خروب
