قال الغريب.. لا تزرعي..! فهذه الأرض.. لا تنجب سوى التنهدات.
قال الغريب.. ومضى .. لكن ما قال.. نبت على أرضي.. وتنهدت.. ينبوعاً من دموع.
أين المفر؟ من الرمال؟ من لوني الأسمر؟ من الضلال .. في بلقعها.. من حصاري..
بالبيد والنضوب.. من قيحها.. المسكوب.. على جرحي.. أين المفر؟
صمت.. ونافذة.. ودخان.. وشاعر في سقيفة من رمال! يتململ في جسده الصلصال!
يسافر من موطئ قدمه حتى مقتل قصيدته الأولى! يتحرك بينه.. وبين ما بقي منه، النبتة الاستوائية على الكثيب الرملي تعرف كيف يحزُّ الليل رقبة طيّعة، وخارج سقيفته تدبر عساكره حرباً.. لا يُعرَف كيف استعرتْ سوى خرير دم يتدفق.
كفّ حضنت جرحاً، كفّان على مهد رضيع، أربع كفوف حول عناق، وعشرون كفاً تقسم، آلاف الكفوف تزرع موتنا، وملايين منها بين أصابعها.. تنساب جدائل دجلة.. ويبتل الشاطئ برضاب الشهداء!
ليلة ندا القوم عند النافذة المُختَلَسة اشتاقوا إليه أبصروا العروق كأفاعٍ على ظاهر كفيه أبصروا حدقتيه كانتا تبرقان كسحاب خُلّب إنما لا تشهدان رفاقاً،
هدّموا أسواراً تنمو على أشفار عينيه وأرخوا جفنيه كي يقتنص سماء زرقاء.
ذبولي حدٌّ يقام على الزهر كل شتاء ولسنا نمنع زمناً من عبث نشأته الأولى، نحن لا نبني صروح حب بل صروح طغاة يقتطفون كلينا ليلة عرس لا نملك نجمتها، يعبرون الشواطئ الأخرى حاملين اللآلئ والعشق، يجدّفون بالحزن ويشربون الدمع ترياقاً.
ما ودعوني.. لم أرافقهم.. كانت مراكبهم ترسو على هالة الأطياف.. بعيداً عن الآثار التي بعثرتها الريح على صفحات الرمل.
العشق... يحب الهجرة حين يخضر.. ينبت فينا.. ننبت فيه.. العشق حين يهاجر يحمل في حقيبته جذوراً هي آخر ما نملك من وطن ودَّعنا!
أفيقي.. أيتها السفن المبحرة قبل حلول الموج.. أيتها السفن المقبلة بوجه الريح
دونما قلوع.. أفيقي.. فما زلت هنا.. كجذور النخل!
اجهل البحار والأشرعة ووداع رائحة التراب.. ودعتَني وحسبتُها مزحة خطوةً لها عودة ككل الطرقات الدائرية التي فيها أغوص بلا جدوى ابحث... بين أحجارها عن بحر يموج.. حسبتُ أن الأشجار هذا الشتاء لن تعرى وان الورد على شباكي سيزهر حسبتُ هذا الليل سهراً طويلاً يُجهَض بإغفاءة آه.. ما أكثر.. ما حسبت.. وخطوتي..
بلا عودة.
د.ماجدة غضبان - بغداد