ولى ذلك الزمن الذي كانت العائلة فيه تجتمع مرة كل مساء من أجل متابعة حلقة «المسلسل العربي».
آنذاك، حين كانت «ليالي الحلمية»، أو «رأفت الهجان»، وقبلهما «الشهد والدموع» وغيرها من مسلسلات الدراما المصرية في حقبة الثمانينات.. حين كانت تلك المسلسلات تعرض، كانت الصحافة تخرج عادة بعناوين من قبيل «شوارع القاهرة فارغة في توقيت عرض المسلسل».اليوم، لم يعد الناس بحاجة إلى التقيد بوقت محدد، أو طقس محدد، تتم خلاله مشاهدة المسلسل، إذ إن هاتفاً متحركاً متقدماً، وموصولاً بالانترنت السريع، سيمكنك من مشاهدة أي حلقة تريدها من المسلسل، في أي وقت، وأي زمان.وفي الوقت الذي يجادل فيه علماء الاجتماع، المهمومون بقضايا الأسرة والحفاظ على الطقوس التي بدأت تتلاشى، يهتم أقطاب الإعلام بالتفكير بوسائط وحلول تجعلهم قادرين على كسب ود الجيل الجديد من «الجمهور» المطلع على أحدث الوسائط، والمتمرد على الطقوس العائلية القديمة.وقد شاعت في الآونة الأخيرة ظاهرة قنوات التلفزيون التي تعرض حلقات المسلسلات التي تنتجها أو تشتري حقوق عرضها أولا على شاشاتها، ومن ثم على مواقعها على الانترنت.وقامت مجموعات إعلامية ضخمة مثل «مؤسسة دبي للإعلام»، بإحداث تطويرات كبيرة لمواقعها التفاعلية على الانترنت، كي تتمكن من عرض مئات مقاطع الفيديو على الويب، ومن بينها الحلقات الكاملة لمسلسلات شهيرة.
ومتفصح موقع المؤسسة اليوم، وتحديداً المخصص لعرض مقاطع الفيديو(www.dubaimedia.ae( بوسعه أن يشاهد أكثر من 1530 مقطعا، تتراوح مدة كل واحد في المتوسط نصف ساعة، وقد تصل إلى أكثر من ذلك. المدهش في الأمر هو الدقة عالية الجودة للصورة.والتي تجعل المشاهدة سهلة ومريحة، وهو تحد خاضته المؤسسة بنجاح، في الوقت الذي تجد فيها مجموعات إعلامية أخرى منافسة صعوبة في بث المحتوى بتقنية واضحة.وفي الوقت الذي تعرض فيها، على سبيل المثال، مؤسسة تلفزيون دبي نخبة من أشهر مسلسلاتها التي يصل عددها إلى أكثر من 10 مسلسلات، في الوقت الحالي، يزداد إقبال الجمهور على مشاهدة المسلسلات، وتدعم الأرقام هذه الحقيقة. لقد نالت الحلقة الأولى من مسلسل «زمن العار»، على سبيل المثال، حوالي 12031 مشاهدة على موقع التلفزيون على الانترنت.حتى وقت كتابة هذه السطور، في الوقت الذي وصلت الأرقام إلى 43623 مشاهدة للحلقة الأخيرة، ما يعني ارتفاع الرقم بأكثر من ثلاثة أضعاف.وتحظى مسلسلات أخرى مثل: عمر الشقا، غشمشم 4، حنة ورنة، ريح الشمال، زمن العار، غريب عجيب، هديل الليل، حظ يانصيب، بلقيس، أبلة نورة، الجيران، على معدلات مشاهدة مقاربة أيضاً.ويتبين من ازدياد الأرقام شيوع ثقافة المشاهدة عبر الانترنت لدى الجمهور العربي، وتبين طبيعة اختيار المؤسسة للأعمال الخليجية، بشكل عام، لإعادة عرضها عبر مواقعها على الانترنت، غلبة الجمهور الخليجي على فئة «مشاهدي الانترنت».
وهو ما يمكن تفسيره بانتشار الإنترنت السريع، الذي يؤمن المشاهدة السلسلة، أكثر في دول الخليج العربي، مثل الإمارات والسعودية، إلى جانب دول أخرى مثل مصر، مقارنة بغيرها من الأسواق التي لا تزال قدراتها التقنية اقل تطورا.
أما في الغرب، فقد تطورت التجربة واتخذت أبعادا جديدة. ولم تعد علاقة المسلسلات مع «الاون لاين» محصورة بعرض مقاطع فيديو عرضت قبل ذلك على الشاشة، بل ان شركات إنتاج أميركية قلبت المعادلة وباتت تنتج مسلسلات خصيصا للعرض على الانترنت، وبمواصفات مؤاتية، قبل أن يتم تطويرها فيما بعد لتعرض على التلفزيون.
ولطالما اجتذبت نصوص مارشال هيرسكوفيتز، الحائز على جائزة ايمي لعمله في مجالي الإنتاج والكتابة، اهتمام ملايين المشاهدين على مدى العقدين السابقين. إلا أن الإقبال كان مختلفا تماما، في فبراير العام الماضي، على سلسلة «كورترلايف» لهيرسكوفيتز المؤلفة من 36 حلقة، والتي تم بثها على الشبكات الاجتماعية على الانترنت مثل موقع «مايسبيس».
بعض حلقات «كورترلايف»، وهو عمل درامي حول مجموعة من الأشخاص في العشرينات من العمر عرضت كل حلقة لمدة ثماني دقائق مرتين أسبوعيا على الموقعين.
وشهد حجم الإقبال على «كورترلايف» معدلات قياسية آنذاك بسبب إلى الإعلان عنه كونه أول مسلسل على شبكة الانترنت يتم إنتاجه بمستوى الأعمال التلفزيونية، كما أعلن عنه على الشبكة كبداية لانطلاق مجموعة من الأعمال. وما لبثت شبكة «ان بي سي» أن قامت بتطوبر مسلسل كورترلايف وبثه في حلقات لمدة ساعة لكل حلقة على التلفزيون.
ولكن ترى هل يمكن أن يدر عمل مثل «كورترلايف» أرباحا؟ الإجابة غير واضحة. ويلاحظ أن عدد الزوار يعتبر عاملا حاسما لدى المعلنين بصرف النظر عن نوعية العمل المعروض.
إلا أن هيرسكوفيتز يشير إلى أن الإعلانات متوفرة وأن الجهات الراعية للمسلسل، بما في ذلك شركة تويوتا، دفعت أكثر من المتوسط وذلك بغرض الظهور مع الحلقات على الشبكة.
وعلى الرغم من العقبات، هناك شركات أخرى تحاول استكشاف مجال تحويل أعمال على الانترنت إلى أعمال صالحة للبث التلفزيوني. وتعمل شركة «فريمانتلميديا»، التي أنتجت شوم ذْيكم يَّ زيهوُّ والنسخة البريطانية من ءٍمْيكفَ ةلٌُ، على إنتاج مسلسل تلفزيوني من أعمال ءٍُُّيك طملهيم المعروضة كعمل فيديو على شبكة الانترنت.
وكانت حلقات هذا العمل قد بدأ عرضها قبل حوالي ثلاثة أشهر في «مايسبيس» وشوهدت ثلاثة ملايين مرة منذ ذلك الوقت.
جماهيرية
«كورتلايف» يحظى بـ 700 ألف مشاهدة عبر الانترنت
بتحول أعداد من المشاهدين إلى شبكة الانترنت، باتت الشركات الإعلامية تنظر في إمكانيات إنتاج خاص للشبكة، كما يعتزم القيام بنفس الخطوة منتجون، ظلوا باستمرار يؤكدون على ضرورة توفير المزيد من الاستقلالية من حدود الشبكة، فضلاً عن كتّاب لا يكتبون حاليا للتلفزيون أو السينما. وتلعب روابط المواقع الشعبية أهمية كبيرة في شيوع مشاهدة الانترنت.
فقد ساعد رابط عرض في موقع «يوتيوب» على مشاهدة الحلقة الأولى من مسلسل «كورترلايف»، في الولايات المتحدة، العام الماضي، وهو أول مسلسل في تاريخ الدراما يتم إنتاجه خصيصاً للإنترنت، أكثر من سبعمائة ألف مرة.
ويقول مؤلف مسلسل «كورترلايف»، هيرسكوفيتز، وزميله الكاتب ادوارد زويك انه لا يجب أن يتسرع الناس في الحكم على الأداء على شبكة الانترنت.
ويضيف هيرسكوفيتز قائلاً: إن ترويج المشاهدين انفسهم لـ «كورترلايف» أعطاه دفعة فيما يتعلق بالإقبال، كما يشير أيضاً إلى أن آخر حلقتين شاهدهما ما يزيد على مائة ألف شخص خلال الـ 24 ساعة الأولى من العرض وذلك بفضل رابط ظهر على موقع «مايسبيس».
وإزاء ذلك النجاح، حاولت أعمال أخرى مثل «بروم كوين»، إثبات وجودها إلى جانب الأعمال والعروض الأخرى التي أنتجت أصلا للعرض على شبكة الانترنت.
تفاعل
«يوتيوب» ينافس قنوات التلفزيون
تزداد رغبة «مشاهدي المسلسلات عبر الانترنت»، في العالم العربي، أكثر بالتفاعل مباشرة مع ما يرونه، وهو ما يمكن القنوات التلفزيونية من الحصول على ردود فعل وتقييمات مباشرة من الجمهور، في ظل غياب أدوات قياس المشاهدة التلفزيونية في العالم العربي حتى اليوم. وتفتح بعض المؤسسات المجال أمام متصفحي الموقع والمشاهدين بترك تعليقات مباشرة على ما شاهدوه.
فيما لا تتيح قنوات أخرى هذا المجال. يقول عامر الأسمر، مدير شركة «دي ريسيرش» المتخصصة بالأبحاث حول الوسائط الإعلامية الجديدة: على القنوات التلفزيونية التي تعرض مضمونا على الانترنت، أن تفكر أكثر بإتاحة المجال أمام المشاهدين للإدلاء بآرائهم واقتراحاتهم، وإلا فإنهم سوف يذهبون إلى يوتيوب.
ولا تزال معدلات مشاهدة مقاطع الفيديو في العالم العربي هي الأعلى على موقع «يوتيوب» العالمي الشهير، رغم أن بعض حلقات المسلسلات المتوافرة على «يوتيوب» متواجدة على المواقع الأصلية للشركات المنتجة وبجودة عالية.
تضمن حقوق الاستخدام، والتي لا تنطبق على شيوع هذه المقاطع بجودة مفقودة على «يوتيوب»: هذا يحرض المؤسسات أن تسوق أكثر خاصية عرضها المسلسلات على الانترنت، كي تتمكن من منافسة سمعة يوتيوب.
دبي ـ رولا علي


