لطالما حلمت سميرة بزوج وبيت يستر عليها وأطفال يلعبون في ربوعه، حلمها لم يدم طويلاً فقد جاء من يدق باب والدها لطلب يدها منه، وقد وافق الوالد عليه بعد السؤال عنه خاصة وأنه كان يردد دائماً المثل الشعبي «دور لبنتك قبل ابنك»، وهو مقتنع تماما بأن الزواج ستر وغطاء للبنت، وفي المقابل حاولت سميرة بمساعدة صديقاتها ومعارفها الاستفسار عن الشاب المتقدم لها، والنتيجة أن الكل شكر في أخلاقه.
زوج سميرة شاب صغير السن جميل الطلة، لا يشكو من شيء فهو يعمل موظفا في إحدى الشركات براتب جيد يمكنه من فتح بيت ورعاية أسرة، كان هو الآخر يبحث عن السترة التي لا يجدها إلا في الزواج.
ورغم كل ما فيه من حسنات إلا أنه كان شكاكا في كل شيء حتى في أقرب الناس إليه، ويظن بأن الجميع يتطلعون إليه بنظرة الحسد خاصة وأنه «مرتاح» في راتبه وعمله، وتمكن بفضل الله من جمع مصاريف زواجه دون أن يمد يده لأحد.
في فترة الخطوبة حاولت سميرة الاقتراب من زوجها بغية التعرف عليه أكثر، وقد فتح لها قلبه واستوعبها، في كل يوم كان يتصل بها مرات عدة ويحاول بطرق غير مباشرة الاستفسار منها إن كانت قد خرجت إلى أي مكان أم لا، وأين وكيف؟. لم تأخذ سميرة ذلك في بالها، فقد ظنته من فرط خوفه عليها، وتوالت الأيام بينهما على هذا الحال.
اقترب اليوم الذي اجتمعت فيه سميرة بزوجها تحت سقف واحد وبعد استقرارهما، حاولت إقناع زوجها بالسماح لها الخروج إلى العمل وهو ما كان يرفضه تماما، ويدعي في كل مرة بأن راتبه يكفي ليصرف على بيته وبالتالي فهو لا يحتاج إلى عملها أو راتبها.
وهنا حاولت أم سميرة أن تتدخل عنده وأن تقنعه هي الأخرى بعمل ابنتها بحجة القضاء على وقت الفراغ خاصة وأن ابنتها لم ترزق بمولود بعد، وبعد مرور أيام من «الزن المتواصل» وافق الزوج بامتعاض على خروج زوجته، ولكن بشرط أن لا تكلم أحداً.
وأن يكون مكان عملها بعيداً عن الاختلاط بالرجال، وأن لا تتأخر في مكتبها بعد ساعات العمل الرسمية لإنجاز أعمال إضافية، وأن تلتزم البيت في حال رزقت بمولود، وافقت سميرة التي تمتلك قسطا وافرا من الجمال على ذلك، وبدأت تبحث عن وظيفة تتناسب مع شروط زوجها وقد وجدتها في إحدى الدوائر الحكومية، وبدأت فيها مباشرة.
بعد استلامها لوظيفتها لم تكن تتوقع بأن تكون مكالمات زوجها لها بالمرصاد، فقد كان يتصل بها على هاتفها المتحرك بين الفينة والأخرى، ليسألها عن أوضاع وظيفتها وإن كانت قد قابلت رجالاً أم لا.
وفي كل مرة كان يشدد عليها بعدم التعامل مع الرجال نهائيا، وهو ما أخذ يسبب لها حرجا أمام زميلاتها اللواتي كن يخفين ضحكاتهن عنها، وهو ما حول تلك الاتصالات إلى فتيل لإشعال الأجواء بينها وبين زوجها الذي كان يغار عليها حتى من نسمة الهواء، وفي كل مرة كان يبرر تصرفاته تلك بخوفه عليها من عيون الآخرين.
لم تتحمل سميرة ملاحقة زوجها لها عبر هاتفها المتحرك، وهو ما دعاها إلى التخلص منه مرة بتركه في البيت ومرة بإغلاقه، ومرة بوضعه على الصامت وتجاهل المكالمات التي تأتيها.
وكل ذلك كان في محاولة للتخلص من إزعاج زوجها الذي لم يعد يكتفي بالاتصال وإنما أخذ يداهمها بين الحين والآخر في المكتب بحجة أنه سيصطحبها معه إلى المطعم أو البيت، وكانت هي تدرك في قرارة نفسها بأنه يأتي للاطمئنان بأن المكتب يخلو من الرجال.
يوماً بعد يوم بدأت سميرة تضيق بتصرفات زوجها الذي كان يحرمها من الخروج بعد عودتها من المكتب، حتى إلى بيت والدها حيث كان يصر على اصطحابها، وكثيراً ما كان يمنعها من الحديث في الهاتف حتى مع والدتها وإن حدث واتصلت يفتح لها محضر تحقيق وتدقيق في المكالمة وطبيعة الكلمات التي تستخدمها، وكثيرا ما كان يعيد الاتصال بعدها ليتأكد بأنها لا تتحدث مع الرجال.
تصرفات الزوج أوصلت سميرة إلى حدود الانفجار خاصة بعد اعتدائه عليها بالضرب المبرح بعد مشاهدته لها وهي تتحدث مع أحد مراجعي الدائرة التي تعمل فيها، فقد كانت تلك الشعرة التي قصمت ظهر البعير.
فما كان من سميرة إلا الهروب من بيتها لحضن والدتها، لترفض بعد ذلك العودة لزوجها طالبة منه أن يرمي عليها يمين الطلاق، فهي لم تعد قادرة على تحمل شكوك زوجها.
غسان خروب