للوهلة الأولى، لا يبدو على الطائر المسمى «قنبرة الماء» الضارب للحمرة القدرة على أن يتعايش مع الظروف الطبيعية، دع جانباً أن ينطلق محلقاً ليعبر العالم كله؟
هذا الطائر أكبر بقليل من طائر السمنة المغرد، ويزن أقل بقليل من قطعة وزنها 250 غراماً من الزبدة، لكنه يتمتع بسمعة عالية، باعتباره واحداً من أعظم الكائنات المهاجرة في الطبيعة.
وقد صار الآن، بفضل السبق التكنولوجي المتطور الذي طوره علماء «المؤسسة القطبية البريطانية»، بإمكان الباحثين تتبع مسارات الطيور للتعرف على سرعاتها والمسافات التي تقطعها في طيرانها بالضبط، وبالفعل فقد كشفت تلك الأجهزة خفيفة الوزن جداً، والتي تم تثبيتها على أجسام الطيور.
أن طائر قنبرة الماء يستطيع السفر لمسافة أطول من 700 .16 ميل (27 ألف كيلو متر). فهجرته تبدأ من استراليا إلى القارة القطبية الشمالية، ومن ثم العودة مرة أخرى.
وقد تمكنت أربعة طيور مزودة بأجهزة التعقب من الطيران لمسافة 4700 كيلومتر، في ستة أيام، مع استراحات لتناول الطعام، حيث طارت من فليندرز في جنوب استراليا إلى تايوان، ونجح أحدها بعد ذلك في قطع مسافة 3850 ميلاً في أربعة ايام فقط، ثم الطيران لمسافة 3100 ميل في أربعة أيام أخرى.
البيانات التي وفرتها أجهزة التعقب كشفت عن أنه وخلال الرحلة من فليندرز إلى تايوان، ولاحقاً من جزر غيلبرت إلى أستراليا، فإن هذه الطيور كانت تحلق بسرعة يتراوح متوسطها من 31 إلى 34 ميلاً في الساعة (50 إلى 55 كيلومتراً).
كان هناك الكثير من أجهزة التعقب التي يستخدمها العلماء لرصد نشاطات الحيوانات المختلفة، غير أنها ثقيلة ولم يكن بالإمكان استخدامها في حالة طيور قنبرة الماء، غير أن التطور الكبير في أجهزة التعقب الجغرافي أدى بها لأن تصبح خفيفة الوزن وصغيرة الحجم جداً، بحيث أنها صارت تشكل فتحاً كبيراً في علم البحوث المتعلقة بالطيور.
الأجهزة التي تم تثبيتها على طيور «قنبرة الماء» تزن غراماً واحداً فقط، وهذا الوزن لا يعيق حركة هذه الطيور.
في السابق كانت أجهزة التعقب الخفيفة نسبياً تستخدم مع الطيور الأكبر حجماً، مثل الإوز والبطريق والقطرس، لكن الاختراع الجديد أصغر حجماً بكثير، ويمكن تثبيته على طيور صغيرة كقنبرة الماء، حتى أن وزن بعض أنواعه يبلغ 8 .0 من الغرام، وهناك جهاز آخر لا يزال تحت التطوير يبلغ وزنه 6 .0 من الغرام فقط.
هذه الأجهزة تعمل على تسجيل أطوال فترات النهار المختلفة على امتداد أيام العام، وبالتالي تفيد العلماء في معرفة أماكن الطيور، في أي يوم من أيام السنة.
تفيد البيانات الواردة عن أجهزة الرصد الباحثين أيضاً في الحصول على معلومات وتفاصيل أكثر، حول طرق مسارات هجرة الطيور وأماكن توقفها من أجل تناول الطعام وقدراتها الجسدية، وبالتالي تكوين صورة متكاملة عن تلك الطيور واحتياجاتها للمساعدة في حمايتها في المستقبل.
بالنسبة لطيور «قنبرة الماء»، فقد تم تثبيت ست أجهزة رصد في فليندرز واثنين آخرين في كاربنتر وروكس، وبعد عام كامل تمكن العلماء من استقبال أربعة فقط، بينما لا يزال مصير الأربعة الأخرى مجهولاً.
يمكن تثبيت أجهزة الرصد على الساق أو بإلصاقها على ظهر الطائر، وفي حالة قنبرة الماء، فقد تم تثبيتها كلها على الساق نظراً لأن التجارب أثبتت أن تلك الطيور تسمن خلال الرحلة حتى تصبح شبيهة بكرة التنس فتسقط عنها تلك الأجهزة .
في وقت سابق من هذا العام، تم تثبيت الأجهزة متناهية الصغر على طيور خطاف البحر القطبية، وكشفت عن مسار شبيه بحرف أس باللغة الإنجليزية، قامت به تلك الطيور في رحلة بلغ طولها 44 ألف ميل.
لا شك أن العلماء الآن متحمسون لتجربة تلك الأجهزة على أنواع أخرى من الطيور هذا العام، للتعرف على مسارات هجرتها.
يوسف جباعته
